تصويت احتجاجي لـلقائمة المشتركة ضد الحرب الأبدية، والنضال من أجل بديل يساري اشتراكي
الجبهة السورية لـ"الحرب الأبدية" وأكذوبة الدفاع عن الدروز
الرئيسية
من نحن
متطلباتنا
مؤتمر الاشتراكية
للاتصال بنا / للانضمام
للتبرع تضامنا معنا
دفع رسوم العضوية
أرشيف المقالات
للاتصال بنا
شكراً جزيلاً!
لقد تم إرسال الرسالة، رائع، سنحاول التواصل معك في أقرب وقت ممكن.
الضفة الغربية المحتلة
كيف يمكن وقف إرهاب المستوطنين برعاية الدولة؟
تؤجّج الحكومة الإسرائيلية موجة إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية من أجل الدفع بمشروع الضمّ ■ يعد «معسكر التغيير» بـ«معالجة العنف» من دون إنهاء الاحتلال ■ في مواجهة أعمال البوغروم والاعتداءات على الأرض، ينظم السكان الفلسطينيون لجان حراسة وجهودًا للدفاع الذاتي ■ ما الاستراتيجية المطلوبة لوقف إرهاب المستوطنين؟
25

25

أحد أبرز «إنجازات» حكومة الدم الرأسمالية بقيادة نتنياهو واليمين المتطرف هو التوسع الدراماتيكي في إرهاب المستوطنين، ولا سيما منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، الذي جرى استغلاله بسخرية وقسوة ليس فقط لشن حرب إبادة ضد الفلسطينيين في غزة، بل أيضًا لإطلاق حملة متكاملة من «الاحتلال، والتهجير، والاستيطان» في أنحاء الضفة الغربية.

على امتداد سنوات ولاية الحكومة، بلغ انتشار تنظيمات الإرهاب الكهانية في الضفة الغربية ذروته مع إقامة نحو 250 بؤرة استيطانية جديدة. وقد قفز العدد الإجمالي للبؤر الاستيطانية إلى أكثر من الضعف، غير أن إقامتها ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتعزيز الاستيلاء على الأراضي والتطهير العرقي. وتُنظَّم ميليشيات المستوطنين داخل هذه البؤر لشن هجمات على السكان، والإضرار بالممتلكات والقطعان، ومنع الوصول إلى البنى التحتية ومصادر المياه. ووفقًا لـتقرير جديد صادر عن بتسيلم، فإن «إسرائيل استولت، حتى تموز/يوليو 2026، بواسطة هذه الميليشيات على أكثر من 1٬070٬000 دونم، أي ما يعادل 18٪ من مساحة الضفة الغربية».

ويترافق الاستيلاء مع التهجير؛ فخلال الأعوام 2023–2025 تم تهجير 118 تجمعًا سكانيًا ومجتمعات من الرعاة الفلسطينيين من أراضيهم. وهذه نتيجة حملة إرهاب منظمة بإحكام وتحظى بدعم مباشر من الحكومة.

ومؤخرًا فقط، في 23 أيلول/سبتمبر، شارك وزراء الحكومة سموتريتش، وليفين، وبركات، وكرعي في مراسم إقامة مستوطنة «متسوكي إيرتس»، التي تمثل عمليًا تشريع البؤرة الاستيطانية المسماة «حفات نيتسح هارئيل». وقد أُنشئت هذه البؤرة عام 2023 بمحاذاة التجمع الفلسطيني في المعرجات، وأفضت في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه إلى تهجيره.

واستغل سموتريتش المناسبة للتباهي بـ«طفرة بناء غير مسبوقة في يهودا والسامرة» وبتهيئة الأرضية لـ«مليون مستوطن». غير أنه، بحسب مجموعة الأبحاث تمارور-بوليتوغرافيا: «شهدت السنوات العشرون الأخيرة تراجعًا تدريجيًا في صافي الهجرة إلى المستوطنات، وخلال ولاية الحكومة الحالية أصبح الميزان سلبيًا، إذ إن عدد المغادرين يفوق عدد الوافدين». فغالبية الجمهور الإسرائيلي لا ترى في المستوطنات «رصيدًا» أو «أصلًا» ذا قيمة، ولا يوجد مليون إسرائيلي ينتظرون الانتقال إليها. لكن بالنسبة للحكومة، تشكل المستوطنات الكولونيالية، ولا سيما البؤر الزراعية، مواقع متقدمة لمشروع ضم الضفة الغربية. ولذلك فهي لا تكتفي بتشريع البؤر الاستيطانية بأثر رجعي، بل توفر لها مسبقًا الدعم المادي، والتسليح، والمعدات، بما في ذلك المركبات ومركبات «الرينجر»، لتمكينها من الاستيلاء العنيف على الأراضي في المنطقة. ولولا الغطاء الحكومي، لما تمكنت موجة إرهاب المستوطنين من التوسع إلى المستويات المروعة التي بلغتها.

خطاب نتنياهو الكاذب

رغم تلاشي الحدود الفاصلة بين عصابات الإرهاب الاستيطاني والقوات الرسمية التابعة للدولة، فإن الحكومة تجد أحيانًا مصلحة في إنكار أي صلة بها. وهذا ما فعله نتنياهو في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة. فإرهاب المستوطنين، بحسب نتنياهو، ليس سوى: «مجموعة من الشبان الجانحين، يبلغ عددهم نحو 150 شخصًا، يرمون الحجارة أو يقطعون أشجار الزيتون. لا أستطيع تحمّل ذلك، ولذلك نحن نطبّق القانون. كم عدد الضحايا سنويًا؟ ربما اثنان أو ثلاثة».

لكن ما عدد الضحايا في الواقع؟ وفقًا لمعطيات OCHA، نفّذت عصابات المستوطنين في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2023 وحتى أيار/مايو 2026 أكثر من 5300 اعتداء أسفرت عن مقتل 64 فلسطينيًا، بالإضافة إلى إصابة عدد كبير من الأشخاص، وسرقة المواشي، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية والممتلكات ومصادر الرزق. غير أن نتنياهو لا يكذب فقط بشأن عدد الضحايا وحجم الظاهرة، بل أيضًا بشأن إنفاذ القانون ضدها. فبحسب معطيات منظمة «يش دين»، انتهى 93.6٪ من ملفات التحقيق التي فُتحت بين عامي 2005 و2025 بشأن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين من دون تقديم لوائح اتهام، في حين انتهى 3٪ فقط منها بإدانة كاملة أو جزئية. وتوضح هذه المعطيات وجود حيّز شبه مطلق من الحصانة لعصابات الإرهاب الاستيطاني.

أما الأمر الأساسي الذي يحاول نتنياهو إخفاءه فهو أن إرهاب المستوطنين يشكّل أداة إضافية في صندوق أدوات حكومته لدفع مشروع الضم الزاحف للمناطق المصنفة «ج»، التي تشكل نحو 60٪ من مساحة الضفة الغربية. وخلال العامين الأخيرين، بدأت هذه الذراع غير الرسمية تنشط بصورة متزايدة أيضًا في المناطق المصنفة «ب» (نحو 22٪ من مساحة الضفة)، عبر اقتلاع التجمعات الفلسطينية وتهجيرها إلى جيوب مكتظة داخل المناطق المصنفة «أ» (نحو 18٪ من مساحة الضفة). وفي عام 2026، وقع ما يقارب ثلثي حوادث العنف ضد الفلسطينيين (62.6%) التي وثقتها منظمة «يش دين» في المناطق المصنفة «أ» أو «ب».

ويتقاطع هذا المسار إلى حد كبير مع «خطة الحسم» التي طرحها سموتريتش عام 2015. ورغم أن الخطة لم تُعتمد رسميًا قط، فإن أجهزة الدولة تدفع عمليًا بأجزاء منها على الأرض. فالجيش والإدارة المدنية يقتلعان تجمعات فلسطينية في المنطقة «ج». وإلى جانب ذلك، قاد الجيش عام 2025 أكبر عملية تهجير منذ عام 1967، شملت ما يقرب من 40 ألفًا من سكان مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم ونور شمس داخل المنطقة «أ». إن جميع أذرع نظام الاحتلال تعمل على حشر السكان الفلسطينيين في عدد من الجيوب المنفصلة بعضها عن بعض.

وحتى داخل «معسكر التغيير» القومي يوجد مؤيدون لهذه السياسات. فليس من قبيل الصدفة أن الجولة الانتخابية التي أجراها آيزنكوت في الضفة الغربية، برفقة قادة المستوطنين يوسي دغان ودافيدي بن تسيون، قد شملت زيارةً وعرضًا استراتيجيًا في بؤرة«مزرعة شوفال». وقد أدت هذه البؤرة، التي أُنشئت في تشرين الأول/أكتوبر 2024، خلال شهر واحد فقط إلى تهجير تجمع فرخة الذي كان يقع إلى جنوبها. تلك هي الاستراتيجية. كما كتب رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، مؤخرًا أن «دولة إسرائيل يجب أن تُنشئ تواصلًا جغرافيًا بين جميع مناطق "ج"، وأن تحافظ هناك على سيطرة مطلقة، وبالتوازي يجب إيجاد بديل للسيطرة الإدارية والأمنية في المنطقتين "أ" و"ب"»، مضيفًا أنه، من وجهة نظره، «ينبغي التوصل إلى اتفاق مع الأردن بشأن إدارة المنطقتين "أ" و"ب" من قبلها، ضمن كونفدرالية إسرائيلية أردنية».

حول ماذا يدور الخلاف بين قيادة الجيش والحكومة؟

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا اندلع خلاف بين قيادة الجيش والحكومة بشأن إرهاب المستوطنين؟ هناك عدة أسباب مترابطة لذلك: الخشية من تآكل هيبة المؤسسة العسكرية وقدرتها على التحكم بمستوى التصعيد في الضفة الغربية، ولا سيما في سيناريو حرب متعددة الجبهات؛ والخشية من تغيّر الرأي العام على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، بما ينعكس بدوره على علاقات إسرائيل الخارجية؛ وكذلك خشية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من مبادرة فلسطينية لتنظيم الدفاع الذاتي والانخراط في نضال أوسع ضد اعتداءات المستوطنين والجيش.

غير أن هذه المخاوف لا تعني شيئًا لقيادة ما يُعرف بـ«شبيبة التلال»، التي تسعى إلى دفع المنطق الإقصائي للحركة الصهيونية إلى أقصى حدوده، هنا والآن. فهذه القيادة مستعدة لتلقي بل والمطالبة بكل أشكال الدعم من الدولة والجيش، لكنها غير مستعدة للخضوع لأوامرهما أو لسلطتهما. ومن وجهة نظر قادة خلايا الإرهاب الاستيطاني، فإن الجيش الإسرائيلي يخضع لسيطرة جهات «ضعيفة» ترفض قيادة حرب إبادة في الضفة الغربية على غرار جرائم الإبادة الجماعية في غزة، وبالتالي لا يوجد ما يدعو إلى الانصياع له. وقد تعزز هذا الموقف بفعل مشروع «الانقلاب القضائي»، ووزراء اليمين المتطرف، ومنذ توليه منصبه أيضًا، وزير الحرب كاتس.

ومع تسلمه منصبه، ألغى كاتس استخدام أوامر الاعتقال الإداري ضد المستوطنين اليهود المشتبه بتورطهم في الإرهاب، مع مواصلة الاستخدام الواسع للاعتقال الإداري ضد السكان الفلسطينيين بسبب أي شكل من أشكال مقاومة الاحتلال، أو أنشطة الدفاع الذاتي، أو حتى توثيق اعتداءات المستوطنين.

وفي الآونة الأخيرة، حاول كاتس إقالة الجنرال آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى الذي يفرض الاحتلال في الضفة الغربية بوحشية، بسبب دعمه التكتيكي لأمر تقييدي ضد المستوطن الإرهابي تال ينون دردك، وذلك على خلفية تورطه في بوغروم مروّع بصورة خاصة في خربة حمصة خلال شهر آذار/مارس. فكاتس، والحكومة فعليًا، يقدمان الدعم لدردك في مواجهة ممثل الجيش. كما أن شطب الإدانة الجنائية التي صدرت بحق الجندي القاتل أزاريا من قبل رئيس الدولة هرتسوغ، خلافًا للموقف الرسمي لقيادة الجيش، يعزّز هذا التوجه أكثر فأكثر.

إن الإدانات التي صدرت عن رئيس الأركان السابق آيزنكوت ونائب رئيس الأركان السابق غولان لإرهاب المستوطنين، وانتقاداتهما لغياب إنفاذ القانون، تشكل امتدادًا مباشرًا لمخاوف الجنرالات وكذلك لمخاوف النخبة الرأسمالية السائدة في إسرائيل. فهم يطالبون بالتحرك ضد أكثر العصابات والبؤر الاستيطانية عنفًا، خصوصًا في ظل مشاهدتهم كيف ينعكس الاشمئزاز الجماهيري الواسع حول العالم من الممارسات الإرهابية اليومية للعصابات الكهانية في خطوات، وإن كانت رمزية في معظمها، تُضطر حكومات غربية إلى اتخاذها ضد المستوطنات. فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا هذا الشهر (8 أيلول/سبتمبر)، إلى جانب تسع دول أخرى من الاتحاد الأوروبي، مقاطعة منتجات المستوطنات.

وحتى داخل المجتمع الإسرائيلي، تثير مشاهد أعمال البوغروم المتنقلة، التي تنفذها عصابات مسلحة ملثمة تتجه على متن شاحنات بيضاء إلى داخل التجمعات الفلسطينية، حالة من الانزعاج والانتقاد وأيضًا المعارضة. فهناك نفور من إرهاب المستوطنين لدى شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، رغم التأييد للعدوان العسكري في الضفة الغربية وغزة وسائر المنطقة. وتشير استطلاعات«المعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، إلى جانب استطلاعات أخرى (مركز أكورد، تمارور بوليتوغرافيا)، إلى وجود أغلبية، حتى داخل الجمهور اليهودي في إسرائيل، تعتقد أن سلطات الدولة لا تتحرك ضد إرهاب المستوطنين بالشكل الكافي.

في مواجهة ذلك، يضع «معسكر التغيير» نصب عينيه هدف إعادة الشرعية إلى المشروع الاستيطاني الكولونيالي وإلى نظام الاحتلال، على المستويين الدولي والمحلي، من خلال الوعود بـ«معالجة» إرهاب المستوطنين والبؤر الاستيطانية. وقد كتب بينيت: «بالتحديد لأنني أؤمن بحقنا في هذه الأرض وبالمشروع الاستيطاني، فإن علينا أن ندين مثيري الشغب وأن نستأصل كل عنف من بين صفوفنا». أما خط الجنرال غولان فلا يختلف جوهريًا، إذ قال: «عندما نستبدلهم [حكومة نتنياهو] سيتم القضاء على الإرهاب اليهودي، وتفكيك الميليشيات المسلحة التابعة لبن غفير، وإزالة البؤر الاستيطانية غير القانونية التابعة لسموتريتش، وسيعود الجيش الإسرائيلي إلى الانشغال بحماية أمن إسرائيل»… أي أنه سيواصل الاحتلال في الضفة الغربية والمسّ برفاه وأمن ملايين السكان الفلسطينيين تحت ستار زائف يتمثل في تعزيز الأمن لملايين الإسرائيليين.

حصار قصرة

يشكّل الحصار المفروض على قصرة حالةً كاشفة. فقد اختار الجيش، بدوافع تتعلق بالصورة العامة والعلاقات الدولية، التعاون مع المسرحية التي قدّمها السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكبي، وإعلانه أن «الجيش الإسرائيلي والشرطة تحركا بناءً على طلبنا لإخراج الإرهابيين الإسرائيليين» من البلدة في منتصف آب/أغسطس. وكان هاكبي، وهو من أشد الداعمين للمشروع الاستيطاني ولسياسة ضم الضفة الغربية، قد طالب بإخلاء البؤرة الاستيطانية من قصرة تحديدًا بهدف إعادة إضفاء الشرعية على استمرار الاحتلال.

غير أن المسرحية انتهت سريعًا. فعلى مدار الشهر الأخير، واصل الجيش فرض الحصار على السكان الفلسطينيين في البلدة، ومنع دخول الصحافيين أو الوفود التضامنية، وتغاضى عن الوجود الدائم لعصابات المستوطنين.

وقد مُنعت بعثة تابعة لـ«النضال الاشتراكي»، وصلت إلى قصرة مطلع أيلول/سبتمبر في إطار نشاط تضامني منظم مع السكان الخاضعين للحصار العسكري، من الدخول على يد الجيش، لكنها نجحت رغم ذلك في إجراء مقابلات ميدانية.

وأوضح عبد العظيم الوادي، رئيس بلدية قصرة، في مقابلة معنا: «المستوطنون موجودون على الجبل، والجيش موجود أيضًا على الجبل. وكما يمكن أن تروا، وصل إلى هنا خلال عشر دقائق عدد كبير من الجنود. كان بإمكان هؤلاء الجنود إخلاء المستوطنين من الجبل، وعندها كان الحصار سينتهي».

كما وصف لؤي بيروتي، أحد سكان قصرة، واقع الحال في مقابلة أجريت معه. وشرح ما حدث عندما وصل الجيش إلى المنزل الذي كان يبنيه في البلدة بينما كان المستوطنون يحاصرونه: «لقد حاصرونا [المستوطنون] داخل المنزل لنحو ثلاث ساعات. ثم وصل الجيش، فزاد حصارنا أكثر. أطلقوا علينا الغاز وحاصرونا داخل المنزل. وبعد ذلك اعتقلونا وألقوا بنا في قرية دوما».

إذًا، ما المطلوب لوقف إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية؟

لم يكن دور قوات الاحتلال العسكري في الضفة الغربية يومًا حماية السكان الفلسطينيين. فمن الذي سيحميهم إذًا من إرهاب المستوطنين؟ لا يتأخر الفلسطينيون في تقديم إجابة عملية عن هذا السؤال. فعلى الرغم من القمع الشديد، شهدت السنوات الأخيرة تنظيم سلسلة من المبادرات لتشكيل لجان دوريات واستنفار وحراسة في عشرات البلدات والتجمعات السكانية في أنحاء الضفة الغربية.

وفي بعض البلدات، تتخذ جهود الدفاع الذاتي طابعًا أكثر عفوية، بوصفها استجابة مباشرة للاحتياجات الميدانية. فيهبّ الجيران لمساعدة بعضهم بعضًا في مواجهة المعتدين ضمن ما يُعرف أحيانًا بـ«الفزعة» (التعاضد والاستنفار)، انسجامًا مع تقاليد النضال الفلسطيني من أجل التحرر الوطني. لكن كلما ازدادت هجمات عصابات المستوطنين تنظيمًا وفتكًا، وكلما ارتفع تواترها في بعض المناطق من بضع حوادث شهرية إلى أعمال بوغروم يومية، أصبحت جهود الدفاع الذاتي بدورها أكثر تنظيمًا.

وبحسب تقرير أعدّه الصحافي يانيف كوبوفيتش في «هآرتس» استنادًا إلى مصادر في الجيش الإسرائيلي، فإن «نحو 70 لجنة حراسة، تشبه فرق التأهب، أُقيمت في مناطق السلطة الفلسطينية لحماية السكان من أعمال العنف». ومن الواضح أن هذه الظاهرة تُعد تطورًا سلبيًا من منظور تلك الأوساط العسكرية. أما من زاوية النضال ضد إرهاب المستوطنين والاحتلال، ومن زاوية المصلحة الحقيقية للناس العاملين، بما في ذلك داخل إسرائيل، فهي ظاهرة ضرورية وحيوية.

ويصف فادي علوان، أحد المتطوعين في لجنة الحراسة التي أُنشئت في سنجل، هذا الواقع في تقرير لوكالة رويترز: «لقد تُركنا وحدنا. فأنت تواجه مستوطنين يتلقون دعمًا من حكومتهم، وليس لدينا أحد. لذلك نُضطر إلى البقاء هنا والدفاع عن هذه البلدة». وتشمل نشاطات اللجنة إشعال نار للحراسة ليلًا، ومسح التلال بواسطة كشافات بحثًا عن ميليشيات المستوطنين، وتنظيم دوريات بالسيارات حول البلدة، وإدارة مجموعات واتساب مجتمعية يبلّغ عبرها السكان بعضهم بعضًا عن الهجمات المحتملة. ويضيف علوان في مقابلة أخرى: «إذا اقتربوا من المنازل، فإننا نذهب لمواجهتهم، ونرسل الرسائل إلى مجموعات الواتساب». كما أوضح: «منذ أن بدأنا هذا الحضور الليلي هنا، انخفضت الهجمات بنحو 90٪، لأننا بدأنا نرصدهم».

ويشرح أحد سكان، في مقابلة مع الصحافي مجد جواد من جنين: «منذ بداية العام الماضي، ونتيجة تصاعد الهجمات على سنجل… كان علينا تنظيم الحراسة بصورة أكثر فعالية والانتقال من نموذج الفزعة إلى منظومة أكثر تنظيمًا». ويضيف: «بمجرد أن نرصد المستوطنين المهاجمين، نقوم بإبلاغ السكان عبر الواتساب أو أجهزة الاتصال اللاسلكي… لا نملك أدوات أو أسلحة يمكن مقارنتها بما يملكه المستوطنون. وبدلًا من ذلك، نحرص على أن يكون وجودنا الجسدي حاضرًا في المناطق التي قد تتحول إلى أهداف، من أجل ردع الهجوم قبل أن يبدأ».

وتستمد هذه التقاليد التنظيمية إلهامها أيضًا من اللجان الشعبية التي تشكلت خلال الانتفاضة الأولى. آنذاك، أدّت هذه اللجان دورًا مزدوجًا: تنظيم الحياة اليومية للسكان خلال الانتفاضة الجماهيرية التي ووجهت بالإغلاقات وقيود الحركة والقمع العنيف، وتنسيق الأنشطة وقيادة النضال من أجل إسقاط الاحتلال وتحقيق التحرر الوطني والاجتماعي.

واليوم، بصورة مشابهة، يعمل الجيش وجميع أذرع المؤسسة الحاكمة في إسرائيل على تفكيك وإضعاف كل أشكال التنظيم الذاتي للسكان الفلسطينيين المناهضة للاحتلال. فيقوم الجيش بتفكيك خيام الحراسة ومصادرة المعدات، بل ويطلق الرصاص الحي على الدوريات غير المسلحة. ويترافق ذلك مع موجات واسعة من الاعتقالات، واستخدام الاعتقال الإداري ضد المنظمين الرئيسيين، وفرض إجراءات عقاب جماعي على بلدات كاملة.

إن عصابات الإرهاب الاستيطاني ليست سوى جزء من منظومة متكاملة، ولذلك فإن النضال ضدها يجب أن يكون جزءًا من معركة أوسع. وستصبح لجان الحراسة المحلية وجهود السكان على مستوى البلدة الواحدة أكثر فعالية كلما اندمجت، تحت رقابة ديمقراطية وبمشاركة شرائح واسعة من السكان، في عمل جماعي واسع ومنسق على امتداد الضفة الغربية وخارجها أيضًا، عبر الارتباط باللجان الشعبية، ومنظمات العمال، والاتحادات الطلابية في المراكز الحضرية الفلسطينية الكبرى، مثل نابلس ورام الله وكذلك القدس الشرقية. وقد عملت هيئة التنسيق للجان النضال الشعبي في الضفة بهذا الاتجاه، من بين أمور أخرى، حين نجحت في حشد طالبات وطلاب جامعة بيرزيت للمشاركة في أنشطة تضامنية مع تجمعات زراعية مهددة في الضفة الغربية.

ومن العوامل التي تعيق اليوم تحويل المبادرات المحلية المختلفة للحراسة والدفاع إلى انتفاضة عامة ضد نظام الاحتلال على غرار الانتفاضة الأولى، غياب القيادة السياسية وضعف اليسار سواء في مناطق الـ48 أو في مناطق الـ67. وقد كان هذا الضعف في الضفة الغربية أيضًا نتيجة لعملية نزع التسييس و«الأَنجزة» (NGO-ization) التي طالت الحركات الاجتماعية والنضالات الشعبية، أي تحويل الحركات الاجتماعية وتنظيمات النضال إلى مؤسسات ومنظمات غير حكومية.

كما أن السلطة الفلسطينية «ساهمت» بصورة حاسمة في تدهور بعض هذه التنظيمات عبر دمجها في أطر ومؤسسات عملت على تحييدها. ويُقدَّم ذلك بوصفه نتيجة مباشرة لدورها كمقاول فرعي للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. ووفقًا لهذا الطرح، قامت أجهزة السلطة بقمع تظاهرات تضامنية مع غزة في رام الله، وقمعت إضراب المعلمات في الضفة الغربية، واعتقلت ناشطين سياسيين وصحافيين ناقدين. أما سلطة حماس في غزة، فرغم أنها لم تكن جزءًا من «التنسيق الأمني» مع الحكومة الإسرائيلية بالشكل الذي تمارسه السلطة بقيادة حركة فتح، فإنها أظهرت، وفق النص، درجة مماثلة من عدم التسامح تجاه التنظيمات المستقلة والمعارضة اليسارية داخل المجتمع الفلسطيني. ولا تقدم لا حركة فتح ولا حركة حماس، بحسب النص، أي برنامج مستدام للتحرر الوطني والاجتماعي. لكن الحاجة قائمة إلى برنامج من هذا النوع، يربط بين المطالب النضالية المباشرة الرامية إلى وقف العدوان العسكري، وتفكيك البؤر الاستيطانية والمستوطنات، ووقف مصادرة الأراضي وإزالة الحواجز، وبين ضرورة إسقاط الاحتلال والإمبريالية والرأسمالية وسائر أنظمة القمع، باعتباره شرطًا لبناء نضال فعّال.

بناء النضال

قبيل الانتخابات، حاول اليمين المتطرف إقامة بؤرة استيطانية في الجليل تحت غطاء «تصريح رعي» صادر عن الصندوق القومي اليهودي (كيرن كييمت). وقد جرى، حتى الآن، وقف محاولة إقامة «مزرعة» لمجموعة من المستوطنين القادمين من البؤر الزراعية في الضفة الغربية. ولم يحدث ذلك بفضل الصندوق القومي اليهودي أو الشرطة، اللذين حاولا منع التظاهرات المناهضة للبؤرة الاستيطانية بل واعتقلا متظاهرين، وإنما بفضل التحرك الحازم لأهالي مجد الكروم والبلدات العربية الفلسطينية في المنطقة، والذي اقترن بغياب الدعم للمستوطنين القادمين من الضفة الغربية من جانب شريحة واسعة من السكان اليهود الذين يرون في ذلك استفزازًا.

وتُعد معارضة إرهاب المستوطنين داخل المجتمع الإسرائيلي جزءًا من حالة أوسع من السأم تجاه اليمين المتطرف، وحزب بن غفير، والتهديدات الجسدية التي يمارسها بلطجية اليمين المتطرف ضد قوى المعارضة ومنظمات مجتمع الميم والمنظمات النسوية ومنظمات اليسار. وبين الشرائح الواسعة المعارضة لعنف المستوطنين توجد أيضًا فئات تريد ترجمة هذا الموقف إلى احتجاج ونضال سياسي، وإلى تضامن مباشر مع المجتمعات المتضررة في الضفة الغربية. وتُنظَّم، بصورة شبه أسبوعية، جولات وزيارات تضامنية إلى الضفة من قبل منظمات يسارية مختلفة.

ويجري تنظيم بعض هذه المبادرات تحت العنوان المضلل والمثير للمشكلات سياسيًا المتمثل في «الحضور الحامي». وقد أخذ هذا المفهوم يتعرض أخيرًا لمزيد من الانتقادات حتى من جانب نشطاء فلسطينيين. فقد قالت إحدى مؤسسات المنظمة، الناشطة الفلسطينية الأميركية هويدة عراف، لمجلة 972+: «بدأت منظمات مثل ISM تطلق على هذه الممارسة اسم "الحضور التضامني" بعد أن تراجع عنصر "الحماية"، وانطلاقًا من اعتبار أن المصطلح يحمل نزعة أبوية. لم نرغب يومًا في تقديم الفلسطينيين كأشخاص بائسين وعاجزين يحتاجون إلى مساعدة من جهات دولية».

كما أوضح تقرير نُشر قبل نحو نصف عام في مجلة 972+ أن: «الهجمات الاستيطانية، كلما أصبحت أكثر تواترًا وعنفًا في أنحاء الضفة الغربية، يبدو أن "الحضور الحامي" يفقد قدرته على منع بث الرعب، وفي نهاية المطاف منع تهجير المجتمعات الفلسطينية. فكثيرًا ما تترك هجمات المستوطنين النشطاء والسكان ينزفون ومصدومين. وكما قال متان ميرون، منسق ميداني في منظمة "حاخامات من أجل حقوق الإنسان" في الأغوار: "الحضور الحامي لم يعد يحمي أحدًا"».

إن تأطير الوفود التضامنية إلى الضفة الغربية بوصفها نشاطًا إنسانيًا بالدرجة الأولى يطمس المهمة السياسية الملحّة لتلك الوفود، والمتمثلة في المساهمة في بناء النضال ضد الاحتلال على جانبي الخط الأخضر.

وثمة سبب لمحاولات الجيش والمستوطنين منع هذه الوفود من الوصول إلى البلدات الفلسطينية في الضفة. فهم يريدون منع التوثيق الذي قد يصل إلى وسائل إعلام مركزية في إسرائيل، والذي يمكن بدوره أن يؤثر في الرأي العام وفي الخطاب السياسي. لكن إلى جانب ذلك، تستطيع مثل هذه الوفود أن تساهم عمليًا في دعم جهود السكان الفلسطينيين لتنظيم تظاهرات وإضرابات ومسيرات وحتى أعمال مباشرة في مواجهة الحواجز والبؤر الاستيطانية، كما حدث بالفعل خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك بمشاركة عضوات وأعضاء «النضال الاشتراكي». كما يمكنها المساهمة في بناء أطر نضالية محلية وإقليمية، ولجان شعبية، ولجان حراسة. وحتى وجود بضع مئات من المتظاهرين الإسرائيليين في فعالية احتجاجية بادر إليها تجمع فلسطيني قد يحدث أحيانًا فارقًا في مستوى القمع الذي يُمارَس ضدها.

غير أنه كلما ازداد تدخل الحكومة والجيش ميدانيًا لتوفير الغطاء لعصابات المستوطنين، بات من المهم، بل من الضروري، بناء يسار اشتراكي في كل من مناطق الـ67 ومناطق الـ48، بحيث يكون قادرًا على التدخل في مواجهة الحكومة وأحزاب المؤسسة الحاكمة وكذلك في مواجهة آلة الحرب والاحتلال. وثمة حاجة إلى بناء قوة سياسية قادرة على حشد شرائح اجتماعية عابرة للانقسامات القومية من أجل تنظيم الاحتجاجات والتظاهرات في مراكز المدن، ثم لاحقًا في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل أيضًا، بما في ذلك تنظيم الإضرابات وفرضها.

ومن بين أمور أخرى، يمكن للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، على سبيل المثال، أن تدفع نحو تنظيم تحرك، بما في ذلك عبر القائمة المشتركة ولجنة المتابعة، لعقد مهرجان جماهيري واسع وعابر للمجتمعات المحلية ضد إرهاب المستوطنين، على غرار التظاهرة الجماهيرية الكبرى التي شهدتها تل أبيب ضد الجريمة المنظمة في مطلع العام. ومن شأن خطوات من هذا النوع أن تساعد على تحويل قضية إرهاب المستوطنين إلى موضوع مركزي في الحملة الانتخابية، بما قد يساهم أيضًا في إسقاط حكومة نتنياهو، وفي الوقت نفسه في الدفع نحو بديل يساري اشتراكي لحكومة سلطة رأس المال والاحتلال والحرب الدائمة.

كما أن دعوة «الأخصائيين/ات الاجتماعيين/ات من أجل الديمقراطية» للمشاركة في التظاهرات المناهضة لإرهاب المستوطنين في تل أبيب تسلط الضوء على وجود إمكانية لتجنيد مجموعات احتجاج تشكلت على أساس مهني في ظل حكومة نتنياهو واليمين المتطرف، مثل مجموعة «المعاطف البيضاء». وهذه نزعة ينبغي السعي إلى توسيعها، من خلال المساعدة في تنظيم وفود تضامنية من ممثلات وممثلي العمال من نقابة الأخصائيين الاجتماعيين ومنظمات أخرى إلى الضفة الغربية، والمبادرة إلى عقد جمعيات عمالية لتقديم تقارير وإحاطات بعد هذه الزيارات.

وفي نهاية المطاف، وفي مواجهة آلة التحريض والاضطهاد والقمع التي يمثلها الاحتلال وسلطة رأس المال، تبرز الحاجة إلى تعبئة القوة الاجتماعية لـالطبقة العاملة على جانبي الخط الأخضر. ويظل «إضراب الكرامة» الذي نُظم في أيار/مايو 2021 احتجاجًا على الهجمات القومية التي قادتها عصابات المستوطنين، سواء ضد البلدات الفلسطينية في الضفة الغربية أو ضد البلدات والأحياء والمنازل العائدة لمواطنين فلسطينيين داخل الخط الأخضر، مثالًا مهمًا في هذا السياق. كما يمكن للاحتجاجات المشتركة التي نظمها آنذاك عاملون وعاملات يهود وعرب في المستشفيات أن تشكل مصدر إلهام لتحركات مناهضة لإرهاب اليمين المتطرف.

وحتى إذا هُزمت حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش في الانتخابات واستُبدلت بحكومة أخرى، فإن حكومة احتلال رأسمالية بديلة لن تأتي بحل. فلا يمكن اجتثاث إرهاب المستوطنين من دون إسقاط الاحتلال والمشروع الاستيطاني. ولا يمكن وقف عدوان الجيش والمستوطنين في الضفة الغربية من دون إسقاط ديكتاتورية سلطة رأس المال، والإمبريالية، والاضطهاد القومي، والعمل على تعزيز الحقوق المتساوية في الوجود، وتقرير المصير، والحياة الكريمة، والرفاه، والأمن الشخصي للجميع. فالمطلوب نضال أوسع من أجل تغيير جذري: من أجل دولة فلسطينية مستقلة، ديمقراطية، اشتراكية ومتساوية الحقوق، ومن أجل تغيير اشتراكي وديمقراطي في إسرائيل وفي المنطقة بأسرها.

كنت قد تكون مهتمة ايضا...
انضمّوا إلينا!
نحن بحاجة ماسّة لأن نناضل في سبيل التغيير، في وجه حكومة عنصرية، في وجه الاحتلال والمنظومة الرأسمالية المستمرّة في انتهاج سياستها الأوليچاركية (حكم الأقلية) الفاسدة، اللامساواة، التمييز، شنّ الحروبات وتدمير ما حولها. نضال اشتراكي هي حركةٌ مكافِحة، حركة الأفكار النَّشِطة، ذات سِجِلٍّ حافلٍ في المشارَكة ولها شُركاء من جميع أنحاء العالم، تطرح في أجندتها بديلًا حقيقيًا للتغيير الإشتراكيّ. هيّا انضمّوا إلينا!

حركة نضال اشتراكي
حركة نضال اشتراكي
ص.ب 125, تل أبيب–يافا 6100101
[email protected]
054.548.13.78 | 054.818.44.61
نضال اشتراكي هي حركة اشتراكية تناضل من أجل مجتمع اشتراكي وديمقراطي يقوم على العدالة الاجتماعية والسلام والمساواة.
يشارك في حركة النضال الاشتراكي شركاء وشريكات من منظمات نضال اشتراكية حول العالم، ونحن نعمل أيضًا على تعزيز بناء منظمة نضال دولية.