إلحاق الهزيمة بسلطة نتنياهو واليمين المتطرف
عشرات الآلاف تظاهروا في سخنين ضد عصابات الإجرام والحكومة العنصرية
الرئيسية
من نحن
متطلباتنا
مؤتمر الاشتراكية
للاتصال بنا / للانضمام
للتبرع تضامنا معنا
دفع رسوم العضوية
أرشيف المقالات
للاتصال بنا
شكراً جزيلاً!
لقد تم إرسال الرسالة، رائع، سنحاول التواصل معك في أقرب وقت ممكن.
آفاق
الحرب الأبدية الدامية واستعراض الضعف الإمبريالي
تحت غطاء دعاية كاذبة حول الأمن الإقليمي، بل وحتى تحرير الجماهير في إيران، شُنت في 28 شباط/فبراير هجمة القوتين النوويتين، الولايات المتحدة وإسرائيل، بقيادة ترامب ونتنياهو ضد إيران، وسط تعالي صيحات «تغيير النظام»، في إطار فصل كارثي آخر من أزمة الحرب الشاملة التي تستمر بلا هوادة منذ قرابة ثلاث سنوات
15

15

تحت غطاء دعاية كاذبة حول الأمن الإقليمي، بل وحتى تحرير الجماهير في إيران، شُنت في 28 شباط/فبراير هجمة القوتين النوويتين، الولايات المتحدة وإسرائيل، بقيادة ترامب ونتنياهو ضد إيران، وسط تعالي صيحات «تغيير النظام»، في إطار فصل كارثي آخر من أزمة الحرب الشاملة التي تستمر بلا هوادة منذ قرابة ثلاث سنوات. إلى جانب زرع موت ودمار هائلين في إيران والمنطقة، أشعلت الهجمة الإمبريالية صدمة الطاقة الأحفورية الأشد التي عرفها الاقتصاد العالمي منذ عقود، وعطلت سلاسل التوريد، وتُرجِمت إلى هجوم شامل ومستمر على ظروف معيشة مليارات البشر في جميع أنحاء العالم.

في 8 تموز/يوليو، في وقتٍ توجه فيه ترامب، خلال قمة الناتو في أنقرة، لاستعراض العضلات عبر إعلان العودة إلى قصف إيران وإلغاء «عملية السلام»، أصدر صندوق النقد الدولي (IMF) تقرير تحديث دوري، خفّض فيه توقعات النمو العالمي إلى 3٪، بتأثير من الحرب. وحدد التقرير التطورات في منطقتنا كعامل الخطر الأبرز حاليًا على الاقتصاد العالمي. وبحسب التقرير، فإن الاستثمارات في المجالات التكنولوجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خففت من الآثار الاقتصادية السلبية لأزمة الحرب. ومع ذلك، فإن الأزمة في الخليج لم تنتهِ بعد، ولا يزال من المبكر تلخيص تداعياتها. أدى الإعلان عن إنهاء وقف إطلاق النار، وموجات الهجمات الأمريكية في إيران، وتجديد الحصار البحري في المضيق إلى ارتفاع بنحو 20٪ في سعر النفط في غضون عشرة أيام (حتى 15 تموز/يوليو). بموازاة ذلك، تقترن الصدمة التكنولوجية الناتجة عن تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد أيضًا بموجة من تقليص الوظائف المهنية بسبب الأتمتة، وبحالة من عدم اليقين بشأن إمكانيات الربحية لتلك الاستثمارات على المدى الطويل. في غضون ذلك، تظل الضغوط على الاقتصاد العالمي نحو أزمة ركود تضخمي مرتفعة.

إن منطق الترامبية، الذي يسعى إلى ابتزاز «صفقات» عبر نهج أكثر عدوانية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا لترسيخ الهيمنة المتزعزعة للطبقة السائدة الأمريكية في النظام العالمي، راهن على الحرب في إيران كفرصة. إلا أن استعراض القوة العسكرية تحوّل إلى استعراض للضعف. لقد فشلت حكومتا الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي وضعتاها لنفسيهما.

في ميزان القوى غير المتكافئ في الحرب، صحيح أن النظام في طهران لم يكن سلفًا في موقع يسمح له بإلحاق هزيمة جذرية بالولايات المتحدة ودولة إسرائيل، ولكنه ألحق بهما هزيمة سياسية وجيواستراتيجية مدوية. لقد خرج من الهجمة حتى الآن أكثر صلابة وأشد حزمًا. كما أثبت أن تحالف «محور المقاومة»، الذي تلقى ضربات عسكرية قاسية، لا يزال عاملاً يجب أخذه بالحسبان في ديناميكية المواجهة الإقليمية، مع المطالبة بأن يشمل اتفاق وقف إطلاق النار لبنان، وذلك للمرة الأولى بإطلاق صواريخ من إيران نحو إسرائيل ردًا على العدوان الإسرائيلي في لبنان — «وحدة الساحات» — وفي الخلفية يلوح التهديد بتجديد الحصار البحري الانتقائي في مضيق باب المندب.

إن التظاهر الإمبريالي بالوقوف إلى جانب التطلعات الثورية للجماهير المعارضة للنظام في إيران، في أعقاب موجة انتفاضة الملايين في كل محافظات البلاد في بداية عام 2026، قد ارتد عكسيًا على القوى المهاجمة مع تصاعد الغضب بين الجماهير في إيران إزاء الدمار والوعود الساخرة بالمساعدة في التحرير، بل ومع تعزز الشعور بالوحدة الوطنية، إلى جانب ورغم الاشمئزاز من النظام في طهران. إن المنشورات الأخيرة حول الخطة الفاشلة لنتنياهو والموساد لـ«تنصيب» الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد المزعوم، وهو المكروه بشدة من قبل معارضي النظام، لن تؤدي إلا إلى تأجيج هذا الغضب.

لقد نجح النظام في طهران في استغلال حالة الطوارئ ليعيد توحيد قاعدة الدعم الكبيرة نسبيًا التي يستند إليها، ولو بشكل مؤقت، مع خروج الملايين في مسيرات تأييد — وفي موكب تشييع الحاكم الذي اغتالته الحكومة الإسرائيلية، آية الله علي خامنئي. إلى جانب ذلك، فإن تسريع وتيرة الإعدامات السياسية لتصل إلى معدل قياسي — في ظل استمرار الإضرابات البطولية عن الطعام للأسرى في عشرات السجون — يدل على استمرار وجود جيوب مقاومة في المجتمع الإيراني يمكن أن تتطور لاحقًا.

إن صراع القوى بين الأجنحة المختلفة في النظام حول الخط الاستراتيجي المطلوب من وجهة نظرها لحماية الثيوقراطية الرأسمالية — التي أسستها الثورة المضادة التاريخية للخميني — في مواجهة الإمبريالية الأمريكية، يكشف إلى أي مدى تعتبر حتى التحركات الدبلوماسية المترددة والهشة تمامًا التي تمت مع إدارة ترامب بقيادة الجناح «البراغماتي» للرئيس بزشكيان مثيرة للخلاف. لقد تعاظم وزن الجناح المحافظ-الصقوري وذراع «الحرس الثوري» (الباسداران) في بنية السلطة للنظام، ومن الواضح أنه حتى لو — وسط علامة استفهام كبيرة — تم توقيع اتفاق «نهائي» مع واشنطن، فإن التوجه الرئيسي في طهران سيكون التصميم على إعادة بناء القوات وتحسين الجاهزية المنهجية لجولة المواجهة العسكرية القادمة. لن يكون هناك عصر ذهبي في العلاقات بين نظام آيات الله وواشنطن.

أي أنه، حتى لو نجح ترامب من خلال تعرجات متقلبة بين القصف والمفاوضات في تحقيق ما يسميه «اتفاق سلام»، فلن يكون هذا تسوية مرحلية تحقق الاستقرار للأطراف على غرار الاتفاق النووي لعام 2015. فالاتفاق الذي وُقّع في عهد أوباما، انتهكه ترامب في عام 2018 واستبدله بسياسة فاشلة تعتمد على «الضغط الأقصى» الاقتصادي، والتي أضرت بشكل خاص بظروف معيشة الجماهير في إيران. في ذلك الوقت، كانت الصين وروسيا والقوى الأوروبية شركاء في الصفقة أيضًا، وتم الاتفاق على آلية رقابة مفصلة، مثّلت تنازلًا جوهريًا من جانب طهران «مقابل» رفع العقوبات الاقتصادية. أما الاتفاق الإطاري الجديد الذي تم توقيعه بوساطة باكستان وقطر وتركيا والسعودية ومصر — بقدر ما لا يزال ذا صلة — فليس سوى نسخة مهزلة مصغرة، مترددة وهشة، لمحاولة لم تنجح بعد لفتح مضيق هرمز كجزء من تسوية جديدة بين واشنطن وطهران، في وقت تحظى فيه الأخيرة بدعم أكثر نشاطًا اليوم من بكين وموسكو.

لقد ثبت مجددًا أن الإمبريالية الأمريكية هي القوة ذات التأثير الرجعي الأكثر تدميرًا على المستوى العالمي. وفي الوقت عينه، تظل حكومة الموت الرأسمالية بقيادة نتنياهو في الوقت الحاضر القوة الأكثر خطورة وتدميرًا على المستوى الإقليمي. في 8 نيسان/أبريل، وبعد ساعات من إطلاق ترامب لإعلانه الأول عن «وقف إطلاق النار»، شنت حكومة نتنياهو هجومًا عسكريًا واسع النطاق على لبنان، بدأ بعملية إرهاب دولة مكثفة عبر قصف بحجم لم يُشهد منذ عام 1982. واستمرت هذه الخطوة نحو توسيع الاحتلال العسكري المباشر، وتعميق التهجير الجماعي للسكان والتدمير الممنهج للبلدات. أما الاتفاق الإطاري المؤقت والهش بين واشنطن وطهران في 17 حزيران/يونيو، ونظيره الذي وُقع بضغط من واشنطن في 26 حزيران/يونيو بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية، فقد بقيا بمثابة ترتيبات مؤقتة لـ«خفض إطلاق النار».

في لبنان، لا يتضمن الاتفاق حتى أي التزام حقيقي بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية، وهو يغذي الاستقطاب في المجتمع اللبناني، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى إشعال حرب أهلية من جديد على أسس إثنية. وبحسب تصريحات وزير الحرب كاتس: «ليس لدينا طموحات إقليمية في لبنان، ولكن حتى يتم نزع سلاح حزب الله — لن ننسحب مليمترًا واحدًا»، باستثناء منطقتي «نموذج تجريبي» في إطار محاولة فرض تغيير في ميزان القوى جنوب الليطاني، كما يتضح أيضًا من الملحق «السري» للاتفاق. تواصل سلطة نتنياهو، قبل لحظات من انتخابات الكنيست المقررة في تشرين الأول/أكتوبر، التمسك بمطاردتها اليائسة لـ«صورة النصر المطلق» التي تعد بها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتطبيق عقيدة التمترس عبر مفهوم «المناطق العازلة». أي، التوسع الإقليمي للاحتلال العسكري داخل الأراضي اللبنانية والسورية، بالتزامن مع اقتناص الفرص لتعميق مناطق الاحتلال العسكري المباشر في قطاع غزة، وتسريع السيطرة الكولونيالية وعمليات التطهير العرقي داخل الضفة الغربية — بما في ذلك في جيوب السلطة الفلسطينية.

حدود قوة أقوى دولة عظمى في العالم

بعد أن فشلت الهجمة السابقة على إيران في حزيران/يونيو 25'، والتي انتهت بإلقاء أقوى سلاح غير نووي موجود اليوم، في تحقيق تصريحات ترامب ونتنياهو بشأن تجريد النظام في طهران من قدراته الاستراتيجية، وإضعافه، والدفع نحو إسقاطه، جاء الفصل التالي بهدف «إنجاز المهمة». وذلك انطلاقًا من وهم بأن توجيه ضربات عسكرية واسعة النطاق وتنفيذ اغتيالات في قمة هرم السلطة والأذرع العسكرية سيؤدي إلى الشلل، وربما أيضًا إلى تدخل من قِبل الجماهير المعارضة للنظام في إيران، وفي ظل هذه الظروف، إما أن ينهار النظام المركزي المزعوم ويُستبدل بحكومة جديدة مريحة لواشنطن، أو أن الهزة في بنية قوة النظام ستؤدي إلى إبرام صفقة بين عناصر مرنة داخله وبين واشنطن، وهي صفقة ستجسّد في نهاية المطاف خضوعًا لإمرة الإمبريالية الأمريكية.

إن رهان ترامب الفاشل على الهجمة الأخيرة لم يفعل سوى إبراز حدود قوة الدولة الإمبريالية العظمى الأقوى في العالم، والتي فشلت في محاولة تغيير النظام في طهران أو إجباره بقوة النيران على قبول إملاءات للتنازل عن أصول استراتيجية في إطار اتفاق استسلام. فبعد خمسة أشهر من بدء الهجمة، ليس فقط أنه لم يُوقّع اتفاق «نهائي» لوقف إطلاق النار، بل إن تبادل النيران آخذ في التصعيد، بالتزامن مع إعادة الحصار البحري من قِبل الجيش الأمريكي على الموانئ الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز من جانب طهران، فيما بقيت احتمالية تجدد حرب شاملة مطروحة على الطاولة.

إن تراجع ترامب عن موجة القصف والتهديدات بتغيير النظام والإخضاع «المطلق»، بل وحتى تدمير الحضارة في إيران، وصولًا إلى الإعلان عن «وقف إطلاق النار» في نيسان/أبريل، قد جاء من موقف يائس، وقد فشل حتى الآن في استعادة الوضع القائم في مضيق هرمز — محطة الوقود العالمية، الذي أُغلق فعليًا منذ بدء الهجمة ولا يزال يثير الرعب في الاقتصاد العالمي. لم يؤدِ الحصار البحري الذي فرضه الجيش الأمريكي، في محاولة للخروج من المأزق عبر زيادة الضغط في مسار التفافي بعيدًا عن هجوم عسكري شامل، إلى رضوخ طهران، واقتصرت «مذكرة التفاهم» في حزيران/يونيو على الموافقة على إجراء مفاوضات بشأن اتفاق لوقف إطلاق النار في غضون شهرين. سجلت المفاوضات، تقريبًا منذ اللحظة الأولى، تبادلًا للضربات العسكرية، مع تهديدات يائسة من جانب ترامب بـ«إنجاز المهمة» بحيث «تكف إيران عن الوجود».

وفي سياق التداعيات الاقتصادية، يُشار إلى أنه في الأشهر الخمسة الأولى للحرب، لم تتجاوز القفزة في أسعار النفط الذروة التي رافقت الغزو لأوكرانيا في عام 2022. وقد كُبح هذا الارتفاع بعد أن وصل إلى مستوى 125 دولارًا للبرميل، بتأثير من عدة عوامل:

كما أدى خفض وتيرة النيران في حزيران/يونيو إلى كبح الارتفاع في الأسعار، ولكن حتى بدون اشتعال عسكري واسع النطاق، فإن الآثار السلبية على قطاع الطاقة العالمي سيُشعر بها لأشهر وأكثر. ومن المتوقع أن تتفاقم هذه الآثار بشكل ملحوظ كلما اتسعت رقعة التصعيد العسكري المتجدد، بما في ذلك مع إعلان قوات الحوثيين بشأن فرض حصار على الموانئ البحرية للسعودية، في وقت يحد فيه نضوب احتياطيات النفط في المخازن من هامش المناورة للحكومات لاتخاذ إجراءات طوارئ مجددًا لضخ النفط في السوق بهدف خفض الأسعار.

في قمة مجموعة السبع (G7) في فرنسا، قبل لحظات من التوقيع على «مذكرة التفاهم»، اعترف ترامب بأن الخوف من سيناريو كساد اقتصادي جديد والغضب المجتمعي الناجم عنه — وهو ما أسماه رئاسة على طراز هربرت هوفر — بسبب رافعة الضغط التي تمتلكها طهران في هرمز، قد دفعه لمحاولة إنهاء الحرب. إن تذمر ترامب منذ بداية الهجمة بأن باقي الدول الأعضاء في الناتو، وخاصة القوى الأوروبية، امتنعت عن تقديم مساعدة مباشرة لآلة الحرب الأمريكية، يبرهن في حد ذاته على موقف ضعيف في العلاقات الدولية. لقد شكلت الأزمة حافزًا لمسارات عالمية وإقليمية على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي، وأعادت إلى الواجهة الانقسامات العميقة في معسكر الإمبريالية الغربية، الذي يستمر في الوجود بتأثير من تبعية بنيوية للولايات المتحدة وفي ظل تقاطع مصالح لا يُستهان به في صراعات القوى البين-إمبريالية بمواجهة الصين وروسيا.

إن الخفة التي انزلقت بها المنظومة الإمبريالية الأمريكية نحو التورط في مستنقع هرمز هي نتاج لسحق «الضوابط والتوازنات» الداخلية في مؤسسة الرئاسة، والتي عمّقت الترامبية من سماتها البونابرتية. في حين أن الترامبية تسعى في جوهرها إلى إنقاذ الرأسمالية الأمريكية من الأزمة المتعددة الأبعاد والمستمرة التي أنبتتها، إلا أنها لا تفعل سوى مفاقمة التناقضات النظامية. لأول مرة في التاريخ الحديث للولايات المتحدة، افتقرت الحرب منذ يومها الأول إلى دعم شعبي واسع في الداخل، وكلما اتضح أن ترامب لا يملك في جعبته أي قدرة على الحسم بأسلوب «ضربة واحدة وننتهي»، تعمق الخلاف أيضًا في صفوف الحركة الترامبية (MAGA) ودائرة مستشاريه.

لقد وعدت الشعبوية اليمينية لترامب بإنهاء الحروب وإنقاذ الطبقة العاملة في الولايات المتحدة على وجه الخصوص من ضغوط غلاء المعيشة وفقدان الوظائف، بحيث أن الهجمة على إيران سرعت من صحوة بعض الشرائح التي انجرفت للتصويت لصالح ترامب في عام 2024، وسط نفور طبقي من الحملة النخبوية المحافظة لإدارة بايدن-هاريس. وفي ظل استقطاب متصاعد في المجتمع الأمريكي، الذي وجد تعبيرًا له أيضًا في تدني مستمر للدعم الشعبي لترامب وحشد الملايين في ظل الحرب على إيران ليوم المظاهرات الأكبر عددًا في تاريخ الولايات المتحدة في أواخر آذار/مارس، يتزايد أيضًا القلق في محيط ترامب من انتخابات التجديد النصفي القادمة في تشرين الثاني/نوفمبر.

إن الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في حزيران/يونيو لا يستبعد سلفًا أن تُفرض لأول مرة ضريبة على الملاحة البحرية في هرمز في حال وعندما يُوقع اتفاق دائم، وهو ما يمثل عمليًا تعبيرًا عن تعزيز قبضة طهران على المضيق، والتي تواصل الدفع، بالتعاون مع سلطنة عُمان، نحو فرض «رسوم خدمة» جديدة على الرغم من المعارضة الأمريكية. إن التهديد المتقلب لترامب، بأن الولايات المتحدة ستبدأ بجباية رسوم بنسبة 20٪ على مرور البضائع في المضيق، قد استدرج تهكمًا من وزير الخارجية عباس عراقجي: «20٪ هو بالطبع رقم مبالغ فيه جدًا. نحن سنكون أكثر إنصافًا».

كما عبّر ترامب، بالقرب من موعد التوقيع، عن تراجع عام عن التصريحات التي رافقت اندلاع الحرب. وهكذا، ادعى أنه «لا يؤمن بتغيير النظام»، أي، ذاك الذي يتم عبر تدخل عسكري إمبريالي، وفي نفس السياق ادعى أن الاغتيالات في الهرم القيادي قد أدت بطبيعة الحال إلى تغيير النظام بحكم الأمر الواقع (دي فاكتو). وأصر على أن من حق إيران تطوير صواريخ باليستية كما تفعل جاراتها — وهي مسألة تم إسقاطها من الاتفاق الإطاري.

إن الصياغة العامة التي تنص على أن إيران لن تنتج أو تحصل على سلاح نووي كانت بمثابة استنساخ شبه حرفي من نص الاتفاق النووي لعام 2015. وأوضح ترامب أنه لا يولي أهمية لآليات الإنفاذ في الاتفاق، وأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي في آب/أغسطس، أو إذا كانت هناك انتهاكات مزعومة في القضية النووية، فإن الجيش الأمريكي سيعود لشن هجوم واسع النطاق على إيران — «ماذا، هل سأقول…: 'سأقاضيكم'؟ لا، سنقصفهم حتى نسحقهم إذا انتهكوا الاتفاق». أي، عودة يائسة لاعتبارات تتعلق بالهيبة مباشرة إلى النقطة التي حاول الخروج منها عبر مسار الاتفاق. وحتى فيما يتعلق بمخزونات اليورانيوم المخصب بدرجة عسكرية والذي بقي في أيدي طهران، فقد اقتصرت تصريحات ترامب على العجز التام.

التداعيات الإقليمية

إن الخطاب الأورويلّي لترامب، وكأصداء له من حين لآخر من جانب نتنياهو، حول الدفع بـ«السلام» عبر العدوان العسكري والصفقات الدبلوماسية، يعكس بالفعل أمنية لابتزاز اتفاقات سياسية قائمة على الاستعباد أمام الهيمنة الإقليمية للولايات المتحدة وإسرائيل. في الواقع، لم يكن ترامب قادرًا على الوفاء بوعده بإنهائه السريع للحروب في غزة والمنطقة — كما في أوكرانيا. ليس فقط أن حمام الدم يواصل الاستعرار بحدة متغيرة في مختلف الساحات، بل إن محاولات ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض لإعادة إطلاق عملية «التطبيع» الإسرائيلي-العربي في المنطقة — سيناريو الأحلام للطبقة السائدة الإسرائيلية — قد باءت بالفشل. وفي محادثة في نهاية أيار/مايو بين ترامب وحكام عرب، أُفيد بسود صمت مدوٍّ ردًا على المطالبة بأن ينضموا إلى «اتفاقات إبراهيم»، زعمًا في حال وعندما يُوقع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.

إن الضغط الناجم عن الغضب الجماهيري من حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة يلاحق الحكام في جميع أنحاء المنطقة التي شهدت سلسلة من الحركات الجماهيرية والأزمات الثورية منذ بداية العقد الماضي. ولهذا السبب، أُجبر ترامب بالفعل في العام الماضي على التراجع عن محاولة فرض مخطط للتهجير الشامل للسكان الفلسطينيين من غزة — وهو في الواقع مخطط نُسج في حكومة الموت الرأسمالية بقيادة نتنياهو منذ اللحظة الأولى في تشرين الأول/أكتوبر 23'، في سعيها لاستغلال «فرصة مواتية» تاريخية للتخلص من الجماهير الفلسطينية في غزة عبر «الترحيل/الترانسفير»، وهو ما يتوافق في الجوهر مع المنطق الصهيوني بشكل عام القائم على التجريد القومي من الملكية والوجود.

في غضون ذلك، أضافت الهجمة الأخيرة على إيران إلى التوتر بين الملكية السعودية وواشنطن. ورغم التحذيرات من جانب بن سلمان من التورط، فمن المرجح أن يكون هناك أساس للتقرير المنفي الذي يفيد بأنه قفز بشكل انتهازي للوقوف خلف الكواليس مع ضرب أهداف إيرانية. في بداية الهجمة، سمحت السعودية للجيش الأمريكي باستخدام أراضيها ضد غريمتها، كما أُفيد بأنه في نهاية آذار/مارس نُفذت ضربات غير سبوقة من قبل سلاح الجو السعودي ضد أهداف إيرانية، المزعوم أنها أعمال «انتقامية». إلا أن القصف أُبقي بعيدًا عن الأضواء، تمهيدًا لتفاهمات غير رسمية بشأن خفض التصعيد حتى قبل وقف إطلاق النار. وبذلك اتُّخذ نهج أكثر حذرًا من نهج الإمارات، التي انصاعت تمامًا لخط ترامب، كما فعلت أيضًا مع انسحابها الدراماتيكي من كارتلات النفط المترنحة «أوبك» (OPEC) و«أوبك+» (OPEC+) بهدف إغراق السوق بالمزيد من الوقود الأحفوري وإضعاف الهيمنة السعودية في تحديد سياسة إنتاج النفط.

بالنسبة للرياض، جسدت الجولة الأخيرة أن الإمبريالية الأمريكية يمكن أن تكون أيضًا عكازًا مكسورًا. تزايدت التحفظات كلما اتضح مدى الضربة التي وجهها الهجوم المضاد الإيراني للاقتصادات الوطنية في الخليج العربي، في حين يرفض النظام في طهران الانكسار تحت القوة النارية الجوية للولايات المتحدة وإسرائيل. في بداية أيار/مايو، عندما أعلن ترامب بصلف عن عملية لـ«مواكبة» السفن في هرمز دون اتفاق مع طهران، أوضحت الرياض أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لهذا الغرض، خوفًا من تصعيد عسكري متجدد، وأجبرته على الطي الكلي لهذه الخطوة. عكست زيارة وزير الخارجية السعودي إلى الصين مرة أخرى السير على حبل مشدود بين القوتين العظميين العالميتين، في وقت يدفع فيه مسار التراجع النسبي في قوة الإمبريالية الأمريكية، الذي أحدث ديناميكية «متعددة الأقطاب» في العلاقات الدولية، حلفاء واشنطن للبحث عن خيارات لـ«تنويع المخاطر». الآن، زعزعت واشنطن فعليًا الأمن في الخليج بتداعيات ممتدة لسنوات، بعد أن لعبت بكين دور الوسيط في تبلور الانفراج الإقليمي بين السعودية وإيران في عام 2023. إن الغارة الجوية المنسوبة للسعودية على مطار صنعاء لإحباط هبوط طائرة ركاب كانت في طريقها من إيران — وللمرة الأولى منذ بداية وقف إطلاق النار بين الملكية والحوثيين — لم تكن إشارة لزيادة التعاون بين الرياض وواشنطن، بل جسدت سعيًا لدور أكثر استقلالية في المنظومة الإقليمية. في غضون ذلك، أدت استفزازات الرياض، كما ذكرنا، إلى الإعلان عن فرض حصار بحري على السعودية من قبل القوات الحوثية.

تسعى الإمبريالية الصينية إلى جني الأرباح وتقديم نفسها كمصدر للاستقرار بالنسبة للرأسمالية العالمية، رغم التباطؤ الاقتصادي المستمر ورغم أن تهديدها بالرهان في السنوات القادمة على غزو تايوان يلوح كسيف داموكليس فوق الاقتصاد العالمي. إن استعراض الضعف الأمريكي في إيران أُخذ بعين الاعتبار جيدًا سواء في بكين أو في موسكو. شكر ترامب علنًا شي جين بينغ وبوتين على بقائهما، حسب تعبيره، «حياديَين تمامًا» فيما يتعلق بالحرب في إيران. تخوف التكتل الإمبريالي الصيني-الروسي من التداعيات المزعزعة للاستقرار جراء استمرار الحرب في إيران، وتوخى الحذر من التورط في حرب تشارك فيها الإمبريالية الأمريكية بشكل مباشر. في المرحلة الأولى من الحرب، أُجبرت تلك القوى على المشاهدة من المدرجات بينما تلقت مصالحها الجيواستراتيجية هي نفسها ضربات في إيران — استمرارًا لتدخل إدارة ترامب لـ«تطويع» النظام في فنزويلا، ولتغيير النظام في سوريا لصالح نظام موالٍ للغرب من نتاج قدامى عناصر القاعدة برعاية تركية. إلا أنه كلما تورطت الإمبريالية الأمريكية أكثر في الحرب، ازداد ثقتها بنفسها لتوجيه التحديات، بما في ذلك على الصعيد الدعائي. كان حجم المساعدة التي قدمتها الصين وروسيا لطهران معتدلًا، بالتأكيد مقارنة بتوفير المساعدات الصينية لآلة الحرب الروسية في أوكرانيا، لكنهما لم تقفا مكتوفتي الأيدي، وهكذا أُفيد عن قفزة في جهود المساعدة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، بما في ذلك زعمًا تزويد مكونات تكنولوجية مزدوجة الاستخدام واستخبارات أُستخدمت لتحديد أهداف وقصف قواعد الجيش الأمريكي في المنطقة.

إن كون ترامب لا ينتهز الفرصة للدعاية ضد تلك التحركات، بل يتهجم ليل نهار تحديدًا على حلفائه الأوروبيين وكندا، يُعد في حد ذاته دليلًا غير قليل على الموقف الضعيف لمن وعد بإعادة الإمبريالية الأمريكية إلى «عظمتها». زيارة ترامب إلى بكين في أيار/مايو، لم تشَر فقط إلى استمرار الانفراج في الحرب التجارية، بل وأيضًا إلى الفشل في تقديم إنجاز ملموس. في الخلفية، فإن سياسة القومية الاقتصادية المتمثلة في رفع الرسوم الجمركية لم تنجح في كبح الصادرات الصينية، وباقترانها مع اتجاه انخفاض قيمة الدولار، استمرت في تغذية أزمة غلاء المعيشة في الولايات المتحدة، الغضب المجتمعي والاستقطاب الطبقي.

بشكل رمزي، من بين الدول الأعضاء في الناتو، يعد أردوغان من بين قادة الدول الأقرب إلى ترامب في هذه المرحلة — وهي أخبار مريرة بالنسبة للطبقات السائدة في دولة إسرائيل واليونان، وفي الوقت نفسه تذكير بالطريقة التي استغلت بها الإمبريالية الأمريكية الكرد في سوريا وضحت بهم في السنوات الأخيرة لصالح العدوان العسكري التركي والملاحقة من قِبل نظام الشرع الذي يعمل برعاية تركية. إن تصاعد التناقض على الصعيد الجيوسياسي بين الرأسمالية الإسرائيلية ونظيرتها التركية هو مسار ممتد لسنوات قضى بدرجة كبيرة على التحالف الاستراتيجي التاريخي، وتصاعد مجددًا خلال سنوات الحرب الأخيرة.

أحد العوامل لتطوير وتعميق الانقسام على السطح هو استناد الشعبوية اليمينية لأردوغان إلى صورة كاذبة من التضامن مع الشعب الفلسطيني، عمدًا عبر رتوش وخطابات جوفاء، تهدف إلى التلاعب بالتضامن العميق لدى الجماهير في تركيا — رغم أن أردوغان اليوم أقل شعبية حتى من ترامب، وأن حركة الاحتجاج الواسعة ضده في العام الماضي كشفت عن رأس الجبل الجليدي للغضب المجتمعي والطبقي. وبعيدًا عن هذا الاتجاه، فإن ما يغذي التنافس هو عداء الطبقة السائدة الإسرائيلية لـ«محور الإخوان المسلمين» بقيادة تركيا وقطر، بما في ذلك توفير الرعاية لحماس، فضلًا عن العداء للطموحات العثمانية الجديدة التي يعبر عنها نظام أردوغان، وكنتيجة لذلك، للدور التركي في صراعات القوة على الوقود الأحفوري في شرق البحر الأبيض المتوسط، ولدورها في سوريا. بما في ذلك رعاية نظام الشرع وبناء قدراته العسكرية.

بناءً على ذلك، وكعمل «انتقامي ضد تركيا»، أعلنت في نهاية حزيران/يونيو حكومة الموت الإسرائيلية، المسؤولة عن الهجمة الإبادتية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني — كجزء من عملية احتلال وتجريد ممنهجة تُطبق منذ عقود وفقًا للمنطق الأيديولوجي للصهيونية — أنها تعترف رسميًا بالإبادة الجماعية للأرمن. وبذلك أثبتت فقط تعاملها مع القضية كسلعة قابلة للمساومة، كما تتعامل في نهاية المطاف وبشكل أشد مع ذاكرة أهوال المحرقة (الهولوكوست) اليهودية. الآن تشغل حكومة نتنياهو نفسها بكتائب محاولة إحباط أو تخفيض مستوى صفقة البيع المحتملة لمقاتلات F-35 لتركيا. في عام 2018 طُرِدت تركيا من برنامج الشراكة في الإنتاج بسبب الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الروسية آنذاك، وفي عام 2021 انسحبت الإمارات بسبب رفض الاستجابة للإملاءات المتعلقة باستخدام التكنولوجيا الصينية، بحيث بقي سلاح الجو الإسرائيلي حتى الآن المشغل الحصري في المنطقة. وبعد أن أبدى ترامب استعدادًا للنظر في إمكانية المضي قدمًا في البيع لأنقرة، خرج نتنياهو علنًا ضد الفكرة، مصرحًا بأن تركيا ليست «دولة صديقة» للولايات المتحدة.

«سوبر-سبارتا» أم دولة زبونة؟

إن رؤية «السوبر-سبارتا» التي عرضها نتنياهو على الرأسمالية الإسرائيلية في أيلول/سبتمبر الماضي، قبيل لحظات من فرض إعلان «وقف إطلاق النار» في غزة عليه، تقترح التكيف مع مأزق جيواسترايجيوكما قال آنذاك، فإن إسرائيل «في نوع من العزلة، وسنضطر إلى التكيف أكثر فأكثر مع اقتصاد ذي ملامح أوتاركية (اكتفاء ذاتي)». بالنسبة لرأس المال الإسرائيلي، تعد هذه رؤية مرعبة، إلا أن خصوم نتنياهو في الطبقة السائدة يعجزون عن طرح رؤية استراتيجية بديلة. ورغم الخلافات حول طريقة إدارة الحرب، فقد ساد إجماع داخل الطبقة السائدة الإسرائيلية مرارًا وتكرارًا حول تحركات حكومة نتنياهو المركزية في أراضي '67 وفي الفضاء الإقليمي، نظرًا لأنهم رأوا في هجوم حماس ومذبحة 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 فرصة لاستخدام قوة نارية غير مسبوقة، وفظائع جماعية، في محاولة لتحسين وضع النظام الإسرائيلي في ميزان القوى الإقليمي وفي مواجهة الجماهير الفلسطينية. وليست بحوزتهم أي حلول لمخاوفهم هم أنفسهم من تداعيات استيقاظ الغضب الجماهيري في الغرب وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص تجاه دولة إسرائيل، وكذلك تجاه انفصال المصالح الجزئي عن واشنطن في السياق الإقليمي.

لقد أهان ترامب حكومة نتنياهو عندما ترك مطالبها خارج المفاوضات مع إيران وعندما انتقد علنًا حجم القصف في لبنان وغمز بأنه يُفضَّل أن «يقوم» نظام الشرع في سوريا «بالمهمة» في المواجهة ضد حزب الله — وككما قال: «إذا كانت إسرائيل لا تستطيع إتمام المهمة دون قتل الجميع، فليقم النظام في سوريا بالمهمة». أُجبر نظام الشرع على النأي بنفسه فورًا عن هذه الفكرة، والتي ستكون مغامرة طائشة بالنظر أيضًا إلى الإرث المتفجر للحتلال السوري في لبنان أيام نظام الأسد. وفي زيارة ماكرون إلى دمشق في أوائل تموز/يوليو، ضغط الرئيس الفرنسي أصلاً على الشرع كي لا يستجيب لأي طلب بالتدخل في لبنان — الذي تعتبره الإمبريالية الفرنسية جزءًا من منطقة نفوذها التاريخي، والمستمد من اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية السرية التي وُقّعت مع بريطانيا في عام 1916 لتقسيم الغنائم الإقليمية، والتي كشفت القيادة البولشفيكية عن تفاصيلها في الثورة الاشتراكية في روسيا. ومع ذلك، ليست باريس بل واشنطن هي من تملي النبرة في لبنان.

عكست تصريحات ترامب المتقلبة بشأن إسرائيل، رغماً عنه، استمرارية معينة للضغوط التي ظهرت في فترة إدارة بايدن حول التحفظات على حكم نتنياهو كعنصر غير منضبط بدرجة كافية، وبالتالي فهو يشكل مصدر إزعاج من وجهة نظر واشنطن. ادعى ترامب أن نتنياهو «يعرف من هو الرئيس»، وأشار بمبالغة إلى تبعية دولة إسرائيل لواشنطن، وبالطبع له شخصيًا: «لولا الولايات المتحدة لما كانت هناك إسرائيل. ولولاي لما كانت هناك إسرائيل، لأنه لم يكن أي رئيس آخر مستعدًا للقيام بما فعلته». وفي حكومة نتنياهو، ساد الغضب إزاء «مذكرة التفاهم» مع إيران وإزاء الضغوط الرامية إلى تقييد هامش مناورة الجيش الإسرائيلي. وبالمقابل، جاءت المطالبة بالانضباط على شكل توبيخ علني من نائب الرئيس فانس، الذي تحدى قائلًا إن «ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم أجمع الذي يبدي تعاطفًا تجاه دولة إسرائيل في هذه اللحظة، وهو مصادفة يقف على رأس العظمى في العالم… في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ثلثا وسائل الدفاع التي حمت وطنكم صُنعت بأيدٍ أمريكية ومُوّلت من أموال دافع الضرائب الأمريكي».

إن حقيقة أن الصادرات العسكرية الإسرائيلية قد قفزت فقط خلال سنوات الحرب وكسرت رقمًا قياسيًّا لكل العصور في عام 2025 تثبت بالفعل أن نظام الاحتلال الإسرائيلي ليس حقًّا في درجة عالية من العزلة الدولية على غرار إيران. كما أن الولايات المتحدة كانت وما زالت الداعم الحاسم للفظائع الجماعية التي تواصل حدوثها أيدي آلة الحرب للرأسمالية الإسرائيلية، ولا تعد هذه نقطة هبوط حقيقية في العلاقات الاستراتيجية بين الجانبين. تظل تبعية دولة إسرائيل للإمبريالية الأمريكية عالية، لكنها ليست لدرجة الخضوع المطلق على غرار دولة زبونة بكل ما للكلمة من معنى. لقد كانت هناك في الماضي، في سنوات التبعية الأعلى للدعم المالي الثابت من الإمبريالية الأمريكية، حوادث توتر ملحوظة بين رؤساء جمهوريين في أمريكا وبين الحكومات الإسرائيلية، في الوقت الذي حرص فيه النظام الإسرائيلي دوماً على قدر من الاستقلال في كل ما يتعلق بالمصالح التي يعتبرها حيوية. ومع ذلك، من وجهة نظر الطبقة السائدة الإسرائيلية، يوجد تخوف متصاعد من تداعيات الضغوط المتزايدة على المستوى الدولي، ولا سيما تلك التي تتكشّف بتأثير غير مباشر للوعي الجماهيري حول العالم تجاه النضال الفلسطيني، وأكثر من كل شيء، من الانخفاض غير المسبوق في التأييد الشعبي في الولايات المتحدة لسياسة المساعدات لدولة إسرائيل، بما في ذلك بين ناخبي الحزب الجمهوري.

إن إعلان نتنياهو في كانون الثاني/يناير بأنه يجب إنهاء المساعدات التمويلية العسكرية من أمريكا في غضون عقد — كما انتهت المساعدات التمويلية الاقتصادية في عام 2008 — قد هدف إلى تقليص التبعية للدعم المالي الثابت وإبطال الحاجة للطلب في أمريكا لإنهاء هذه السياسة. تحظى هذه المطالبة بشعبية غير مسبوقة في أمريكا، كجزء من تغير أوسع في الرأي العام أعقاب حرب الإبادة في غزة وأزمة الدماء. وقد جَرّ هذا التحول في الرأي العام تصويتًا رمزيًّا واسعًا من جانب أعضاء كونغرس من الحزب الديمقراطي لصالح تقليص المساعدات العسكرية، وسط احتكاك مع اللوبي الداعم لليمين الإسرائيلي (إيباك — AIPAC). إن الدعم الثابت يقع في مسار تقليص مستتزّر نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي منذ عقود، لكنه بالطبع لا يشمل الضخ الهائل للأسلحة والذخائر المدعومة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 23'، والتكاليف الاقتصادية لعمليات الجيش الأمريكي لإسناد دولة إسرائيل في السنوات الأخيرة. وهكذا أيضًا، فإن مجرد تحفظ النظام الإسرائيلي عن بيع مقاتلات إف-35 المتقدمة لتركيا يجسد اعتمادًا استراتيجيًّا على الإمبريالية الأمريكية لضمان تفوق عسكري نوعي في الفضاء الإقليمي.

من منظور نسيج مصالح الإمبريالية الأمريكية، لا يزال الاتجاه حتى الآن ليس نحو تضعضع جذري في دعم الرأسمالية الإسرائيلية، باعتبارها نقطة الارتكاز الأكثر استقرارًا بالنسبة لهم في الفضاء الإقليمي. وبناءً عليه، استجابةً للاستهدافات الواسعة في البنى التحتية للجيش الأمريكي في أنحاء المنطقة جراء الهجوم المضاد الإيراني — والتي شملت استهدافات بطائرات مسيَّرة وصواريخ في 20 موقعًا مختلفًا على الأقل، بقُدِّرت تكلفتها بمليارات الدولارات — يُدرس حاليًا احتمال تحويل جزء من القوات غربًا من الخليج، ولا سيما لتعزيز وجود عسكري طويل الأمد في إسرائيل.

وكذلك على الرغم من الضغط القادم من واشنطن لكبح العدوانية العسكرية الإسرائيلية، لا يُمارَس أي ضغط حقيقي لسحب قوات الاحتلال الإسرائيلية في لبنان وسوريا، ناهيك عن الأراضي الفلسطينية. وفي الآونة الأخيرة، تروج الإمارة الأمريكية أيضًا، عبر إدخال بنود لقوانين الميزانية الأخيرة قبيل انتخابات التجديد النصفي، لترقية نوعية للتعاون مع إسرائيل في مجال الاستخبارات وكذلك في البحث والتطوير وإنتاج منظومات الأسلحة للسنوات القادمة، وذلك دون شفافية ورقابة نظرا لعدم شعبية هذه الخطوة.

احتلالات بعيدة المدى

في لبنان وسوريا تجري علنًا عملية ترسيخ لاحتلال طويل الأمد. في أوساط اليمين المتطرف الإسرائيلي أُنشئت خلال العامين الأخيرين منظمات مخصّصة عازمة على استغلال الفرص لدفع مشروع الاستعمار في المناطق التي جرى الاستيلاء عليها في سوريا ولبنان، وكما جرت العادة في تأصيل المطالب الإقليمية الصهيونية بتأويل توراتي لتبرير تعريف أراضي الاحتلال كجزء من «أرض إسرائيل». هذا الجانب لا يمثل في هذه المرحلة سياسة حكومية رسمية أو طموحات لدى الطبقة السائدة، لكن هذه المنظمات لا تتردّد رغم أن فرصها في المستقبل المنظور ضئيلة، وتسعى للتضخّم وخلق وقائع على الأرض تحت ستار الاحتلال العسكري. في الأثناء، أوضح حكم نتنياهو أنه لن يستجيب لمطالب الشرع حتى للانسحاب الجزئي من أراضي الاحتلال الجديدة في سوريا، ما يغلق الطريق أمام أي صفقة دبلوماسية ذات مغزى بين الأنظمة على الأقل حتى تبدّل الحكومة في دولة إسرائيل.

الاحتلال الإسرائيلي في سوريا يواصل التعمق والتمركز على المدى الطويل. ولهذا يعتمد بشكل مكثف على سياسة «فرّق تسُد» على أساس عرقي لتثبيت قبضته على الأرض، لا سيما عبر محاولة الظهور كحامٍ للأقلية الدرزية — الدعم الذي حشدوه، منذ مجزرة بالسويداء في تموز/يوليو 2025، تجسّد حتى في رفع أعلام إسرائيل في تلك المنطقة، كتذكير ملموس بالخطر الذي ينطوي عليه تغذية الانقسامات العرقية حتى تتحول إلى ديناميكية حرب أهلية. ويجري ذلك بالتوازي مع تغذية الاستقطاب العرقي في لبنان، في ظل الاستعداد المتزايد للرئيس عون للتقارب الاستراتيجي مع الاحتلال الإسرائيلي. وبالمثل لاتفاق «اتفاق السلام» الرسمي الذي فُرض بين دولة لبنان ودولة إسرائيل عام 1983 تحت سطوة الاحتلال وبمبادرة إدارة ريغان، لا تقوم محاولات إعادة إنتاج هذه الكاريكاتورة على أساس سياسي قابل للاستمرار في ظروف الاستقطاب في لبنان وبالنظر إلى الفظائع الجماعية التي ترتكبها حكومة إسرائيل ضد اللبنانيين والفلسطينيين.

رغم حجم القتل والدمار الهائلين في لبنان، وما رافق ذلك من تهجير لسكان عشرات القرى، تظهر في هذه المرحلة مزيد من حدود قوة الاحتلال وتناقضات دعايته الحربية الموجهة للرأي العام في إسرائيل. فقد أُبلغ في نيسان/أبريل أن جهات في الجيش الإسرائيلي تعترف بأن «رغم المحاولة لتسويق شريط الأمن الجديد كاستجابة لسكان الشمال [في إسرائيل]… الشريط لن يمنع إطلاق صواريخ، أو اختراق طائرات من دون طيار، أو تشغيل طائرات مفخخة». وبينما قتلت قوات الاحتلال آلافًا في لبنان، فإن حقيقة مقتل عشرات الجنود الإسرائيليين في الأشهر الأخيرة رغم التكنولوجيا العسكرية المتقدمة تزيد من شعور جماهيري بالشك في المجتمع الإسرائيلي تجاه دعايات الحرب.

في الوقت نفسه تواصل حكومة «اليمين على كاملها» لنتنياهو دفع اتجاه النزع القسري المتسارع والهمجي للفلسطينيين في أراضي الضفة الغربية وشرق القدس، مصحوبًا بإرهاب دولة وإرهاب عصابات كاهانيستية‑فاشية، حيث إن هذه العصابات لا تكتفي بالتمتع بمساحة عمل متزايدة ومستدامة تحت حماية الدولة، بل تعمل كآلية مكمّلة لتنفيذ سياسة النزع. منذ 2023 طردت حكومة الاحتلال الرأسمالية نحو 118 تجمعًا فلسطينيًا، بعضها أكثر من مرة، ودفعت إلى إقامة وتثبيت مستوطنات استعمارية جديدة في أنحاء الضفة، وطوّرت على نطاق واسع بنى تحتية استعمارية، ووسّعت نطاق عملياتها أيضًا في جيوب السلطة الفلسطينية. وتستمر المظاهرات الفلسطينية في مواجهة قمع عسكري، بما في ذلك إطلاق نار حي، وملاحقات واختطاف سكان للاعتقال الإداري.

بالتوازي تستمر ظاهرة التمدد الزاحف لـ«الخط الأصفر» في قطاع غزة كجزء من تعميق السيطرة، والاستعداد لاحتمال استئناف الهجوم الإبادي بكثافة عالية قبيل انتخابات الكنيست. ويأتي ذلك على خلفية تقدير بأن «مجلس السلام» الاستعماري لترامب قد يعلن قريبًا أن حماس خرقت الاتفاق ويمنح قوات الاحتلال الإسرائيلي مساحة عمل إضافية.

في الواقع، منذ بدء «وقف إطلاق النار» في تشرين الأول/أكتوبر قُتل أكثر من 1٬000 (!) شخص على يد قوات الاحتلال. ويُقدَّر العدد الرسمي والمحافظ للضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة في الحرب الإبادية حتى الآن بما لا يقل عن 73٬000 شخص، منهم 21٬000 دون سن 18، بما في ذلك 5٬000 رضيع وطفل حتى سن 5 أعوام، قُتل بعضهم نتيجة سياسة التجويع التي انتهجتها حكومة إسرائيل. الجيش الإسرائيلي يسيطر الآن مباشرة على 64٪ على الأقل من القطاع، مقارنةً بـ53٪ ظاهريًا عند الإعلان عن الاتفاق. وترافق فترة خفض التصعيد أيضًا استمرار فرض حصار واسع على حركة الأشخاص والمواد والبضائع، ولم يعد أي من المستشفيات التي نجحت في الاستمرار بالعمل إلى أداء كامل لوظيفته.

غليان في ظل فظائع الجماهير

حملة التضامن الدولية من أجل تحرير حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان الذي دمّرته قوات الاحتلال في شمال القطاع، والمعتقل منذ نحو عام ونصف بلا تهمة ولا محاكمة، تسلّط ضوءًا إضافيًا على تدمير خدمات الصحة في القطاع وعلى السجن الجماعي للفلسطينيين، بمن فيهم أطفال، في ظروف تعسف وتعذيب. الظهور البارز لأعلام فلسطين التي رفعها مشجعو فرق مختلفة على امتداد كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك كرمز تضامن، أكّد الوزن الكبير لغزة وفلسطين في الوعي الجماهيري العالمي حتى في مرحلة «خفض التصعيد»، وذلك بعد الاهتمام الذي أثارته عملية الاستيلاء القرصانية الجبانة على أسطول التضامن الدولي منتصف أيار/مايو في المياه الدولية والتعسف العلني ضد المتظاهرين على يد وزير الشرطة بن غفير.

الاحتجاج على هذه الملاحقات والتضامن مع غزة تداخل مرة أخرى مع رسائل إضراب عمل واسع نظّم في إيطاليا في 18 أيار/مايو، إلى جانب مطالب ضد غلاء المعيشة وتوسيع الإنفاق العسكري. حقيقة أن رئيسة وزراء إيطاليا ميلوني، زعيمة الشعبوية اليمينية المرتبطة باليمين المتطرف والتي كانت حليفة لنتنياهو، بدأت، خصوصًا منذ أيلول/سبتمبر، تدفع تصريحات شفهية ضد حرب الإبادة في غزة، وفي نيسان/أبريل أعلنت حتى عن تجميد اتفاق أمني (صغير بطبيعة الحال) مع دولة إسرائيل، يعكس قوة الطبقة العاملة الإيطالية ويصدح بضغط التضامن الجماهيري ضد جرائم الاحتلال.

في قطاع غزة، كدليل على روح قتال لافتة تحت ظروف معيشية قاسية، نظّم سكان في محاور مختلفة دوريات احتجاجية على مدار الفترة الأخيرة ضد عدوان الاحتلال الإسرائيلي في ظل «وقف إطلاق النار»، وضد منع خروج المرضى من القطاع لتلقي العلاج، تضامنًا مع النساء الفلسطينيات في سجون الاحتلال، ضد فصل عشرات موظفي الأونروا بلا استماع تحت ضغط من النظام الإسرائيلي، وغير ذلك. دعوة ليوم احتجاج جماهيري ضد حماس، تحت عنوان «ثورة 26 حزيران/يونيو»، لاقت استجابة محدودة، وقد تأثرت بحسب تقارير إلى حد ما بمسيرات تهديد وملاحقة من جانب حماس، رغم أن ذلك على الأرجح لم يكن التفسير الرئيسي، لا سيما وأن السكان مرهقون تحت هجمات الاحتلال المتواصلة.

سُجّل أيضًا انخفاض في نسبة المشاركة في انتخابات بلدية استثنائية في دير البلح بوسط القطاع أواخر نيسان/أبريل، بالتوازي مع انخفاض المشاركة أيضًا في الضفة الغربية، المتأثرة بالظروف الوحشية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. لكن إلى جانب ذلك، اعتُبرت الانتخابات إلى حد كبير غير ذات صلة ومجرد عرض لسلطة رام الله، التي اشترطت من بين أمور أخرى أن يكون شرط الترشح هو إبداء الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية (أ.ت.ف) «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني» ودعم البرنامج السياسي للمنظمة، ما استبعد رسميًا حماس وفصائل أخرى. إعلان عباس الآن عن انتخابات للمجلس التشريعي في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر، وللمؤسسة الرئاسية في بداية 2027، جاء مع تراجع عن فكرة إجراء انتخابات جماهيرية للمجلس الوطني لمنظمة التحرير — تراجع أمام ضغوط الأنظمة في المنطقة التي ترفض فكرة استفاقة غليان سياسي بين الفلسطينيين في الشتات. من المرجح أن كليكة عباس ستحاول المناورة بكل الوسائل لضمان سيطرة قصوى أيضًا على انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة، وقد ألغت سابقًا إجراءات انتخابية مرارًا عندما خشيت النتائج.

لكن حقيقة أن محيط مروان برغوثي، الزعيم الفلسطيني الأكثر شعبية المتبقي، أوضح أنه يعتزم الترشح مباشرة من سجن الاحتلال، تشير إلى احتمال تطور ديناميكية لولادة آمال جديدة حول فكرة تغيير القيادة في الحركة الوطنية. مثل هذه الظروف، التي تفتح نقاشًا موسعًا حول تبديل القيادة وتغيير جدول النضال، قد تتيح أيضًا فضاءً جديدًا لتبلور وتدخل قوى مستقلة من اليسار. ويشمل ذلك خطوات محتملة لدفع بناء يسار اشتراكي، حول رؤية وبرنامج سياسيين ضروريين لبناء نضال تحرري وطني واجتماعي لملايين الفلسطينيين، مع خطوات لتطوير مسار عمل جماهيري، وتنظيم جماهيري لحماية المجتمعات، بما في ذلك بدعم نضال مسلح تحت رقابة ديمقراطية للمجتمعات، والتحدي للاحتلال، والصهيونية، والإمبريالية، والرأسمالية، كجزء من معركة إقليمية وعالمية.

مأزق منظومي

كتعبير عن المأزق الجيو‑استراتيجي الذي يرزح تحته الطبقة السائدة الإسرائيلية كما ذُكر أعلاه، تدعم جميع أحزاب المؤسسة الصهيونية والحريدية، بما في ذلك أحزاب "المعارضة" البرجوازية، شمولها في المعركة العسكرية التي تقودها حكومة نتنياهو في السنوات الأخيرة. في الواقع، قدّمت أحزاب المؤسسة من "المعارضة"، كما فعلت القيادة اليمينية في العمل المنظم العام، حبل نجاة لنتنياهو ولليمين المتطرف مرارًا وتكرارًا على أساس تعبئتها لدعم الحرب عند مفاصل التصعيد العسكري الإقليمي وضد الشعب الفلسطيني. وذلك في وقت لم تكن فيه حكومة الائتلاف لنتنياهو شعبية أبدًا، وقد أثارت سياساتها حركات احتجاج جماهيرية في المجتمع الإسرائيلي — وإن تميّزت هذه الحركات بدرجة عالية من التناقضية نتيجة تأثير قوى مؤسسة رأسمالية شوفينية.

قادة أحزاب المعارضة البرجوازية، من أمثال لابيد والجنرالات أيزنكوت وغولان، يلجأون أحيانًا إلى مهاجمة الحكومة من اليمين بسبب عدوانية عسكرية «غير كافية»، وشنّوا جوقة ضد اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإيران، بينما يَعِد نفتالي بينيت بأن «حكومة تغيير» برئاسته ستعمل بـ«خطة استراتيجية واضحة لإسقاط النظام الإيراني»، وصرّح يائير غولان بأن الاتفاق «محو إنجازات عسكرية هائلة». الرسالة الضمنية، بأن على حكومة إسرائيل أن تتجاهل أوامر ترامب، توافقت ظاهريًا أيضًا مع إعلان بن غفير أن «دولة إسرائيل ليست جمهورية موز» (خطاب سبق أن استخدمه مناحم بيجن في مواجهة إدارة ريغان حول ضم هضبة الجولان). إلا أن رأس المال الإسرائيلي أكثر خشية بكثير من حزب بن غفير للحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، رغم أن عناصر رأس المال تستعين بعناصر من الشعبوية اليمينية، إلى جانب خطاب «ديمقراطي»، لمحاولة حشد الدعم على أساس غضب شعبي. وعلى الرغم من النقد الموجّه لادعاء الخضوع لتوجيهات ترامب، فمن المرجح أن حكومة ائتلافية من نفس الكتلة ستحرص على التنسيق والتعاون مع البيت الأبيض على نحو لا يقل، إن لم يكن أكثر.

الطبقة السائدة الإسرائيلية منقسمة، لكنها تفتقر موضوعيًا إلى أفق لاستراتيجية خروج مستقرة وجوهرية من الأزمة المستمرة لحرب 7 تشرين الأول/أكتوبر، لذا لا تملك المعارضة البرجوازية بديلًا استراتيجيًا جوهريًا للحكومة، وهي تعبّر في المحصلة عن رغبة عامة في ائتلاف حكومي أكثر مرونة لإدارة الاحتلال والحروب وسلسلة أزمات الرأسمالية الإسرائيلية، من دون أحزاب اليمين المتطرف واليمين الحريدي.

وبناءً عليه، قدّمت هذه الأحزاب دعمًا أيضًا لعقيدة رعاية مساحات احتلال عسكري جديدة بصيغة «أشرطة أمنية» على المدى المتوسط‑الطويل، رغم تحفظات متقلبة حول كيفية إدارة الحرب في ساحات مختلفة، وحجم الاحتلالات، وبُعد بعضها عن الانحياز لخطة «أرض إسرائيل الكاملة» ومشتقاتها، بمعنى توسيع الأراضي المعنونة كمرشحة للضم الزاحف عبر الاستيطان الاستعماري. وعلى هذا الأساس تواصل هذه الأحزاب ضخّ حملة رجعية لـ«المساواة في القتل»، التي تطالب بتجنيد قوة بشرية هائلة، يُقال إنها 12–15 ألف جندي، لصيانة آلة الحرب والاحتلال، خصوصًا من بين الفقراء الحريديم. تسود توتر بين حكومة الاحتلال الرأسمالية وقيادة الجيش، في وقت يشتكي الجنرالات من إرهاق القوات ويطالبون بمزيد من الأفراد والميزانيات. هكذا، عقب موافقة حكومية خلال الهجوم على إيران على الاعتراف الرسمي وتطوير عشرات المستوطنات الاستعمارية في الضفة، ادّعى رئيس الأركان زامير أنه «يرفع 10 أعلام حمراء… وفي وقت ليس ببعيد لن يكون الجيش مستعدًا لمهامه في الأوضاع الاعتيادية».

بنت، المدير العام السابق لمجلس المستوطنات «يشع» والذي يطمح للعودة إلى رئاسة الحكومة ضمن ائتلاف يمين‑وسط، زعم أن «البناء غير القانوني أو غير الواقع في مناطق C أو على أراضٍ خاصة ليس شرعيًا. ما ليس قانونيًا — لن يكون وسيُزال». بهذا يلوح أولًا إلى أوساط في الطبقة السائدة الإسرائيلية التي ترى في إرهاب المستوطنين عبئًا إضافيًا يعقّد عمل الجيش، ويزيد الاحتقان بين السكان المحتلّين، ويقوّض العلاقات الدولية لدولة إسرائيل، وبالتحديد في مسار التطبيع الإسرائيلي‑العربي. ولهذا يريد «تغيير الأجواء»، كما يقول، لتمكين تغيير المزاج بين الجماهير في المنطقة: «قادة العرب لا يستيقظون صباحًا ويفكرون في الفلسطينيين. لا أحد منهم يهتم حقًا. ما الذي يهم قادة العرب؟ شوارعهم». ثانيًا، هي إشارة للجماهير في المجتمع اليهودي المقزّزين من عصابات المستوطنين. يقترح بنت شكل إدارة مختلف قليلًا للاحتلال لتحقيق نفس الهدف — تعميق التطهير العرقي («يهودية») للأراضي وإحباط إقامة دولة فلسطينية. هذه المقترحة «الذكية» للعودة إلى سياسة احتلال استعماري تراعي مصالح منظومية أوسع، لن تُخضع عصابات المستوطنين العدوانية، وفي الوقت نفسه ستفشل أيضًا في إخماد المقاومة الفلسطينية والإقليمية والعالمية ضد الاحتلال والنزع والقمع المنهجيين لملايين الفلسطينيين.

نظرًا لتداخل المصالح الواسع مع حكومة نتنياهو، يمكن العثور في نفس اللحظة لدى تلك الأحزاب «المعارضة» البرجوازية الصهيونية على رسائل تتحدى أحيانًا «حرب الأبد» وحتى «شريط التضحية» في جنوب لبنان — نداء إلى ذاكرة سنوات الاحتلال الإسرائيلي الـ18 في جنوب لبنان حتى عام 2000 — إلى جانب رسائل تروّج لقصف إيران ولبنان، وسيطرة عسكرية على «مساحات عازلة». لكن غولان وآخرين يدّعون «استثمار» العدوان العسكري في «اتفاقات سياسية». ما الذي يجعل الاتفاقات التي يعتقدون أنهم قادرون على تحقيقها مختلفة عن اتفاقات ترامب؟ مجرد ضجيج وصدى.

سياسة «حرب الأبد» تعبّر عن أزمة عميقة في المجتمع الإسرائيلي، تنعكس أيضًا في ارتفاع عام في مستوى العنف المجتمعي، وبخاصة بين السكان العرب‑الفلسطينيين نتيجة تأثيرات سياسة سلطوية محطمة على الصعيدين الوطني والاقتصادي والاجتماعي. حقيقة أن الانتخابات المقبلة في إسرائيل ستجري من دون أي بديل سياسي جاد من اليسار، كتعبير عن مصالح عابرة للمجتمعات الوطنية والعرقية للطبقة العاملة، تُردّد ضعف اليسار المنظم على الصعيدين العالمي والإقليمي. أحزاب المؤسسة الرأسمالية الصهيونية شريكة في تأجيج دعم واسع لمنطق حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني وفي الواقع لـ«حرب أبد» للدفاع عن الاحتلال والمستوطنات وسلطة رأس المال، وهكذا تغذي تصورات شوفينية ودعمًا واسعًا لمزيد من «الحلول العسكرية» لمخاوف الأمن لدى ملايين العمال والفقراء الإسرائيليين.

في هذه الظروف، ثمة حاجة حيوية للنضال حول مطالب ديمقراطية، لكن تركيز قوى اليسار على عدد محدود من مطالب ديمقراطية دنيا، في صراعات دفاعية ضيقة، وفي جهد محافظ للحفاظ على القوة، ليس إلا قصر نظر خطير يضحّي بتمهيد الطريق لتغيير جذري. فيه تنازل عن مهمة بناء نقطة ارتكاز جماهيرية من اليسار، التي سترسم بشكل متسق، أيضًا عبر الشقاقات الاجتماعية والتناقضات الطبقية، خطوات نحو استغلال الفرص لفتح اختراقات لكسب آذان وضمّ دعم وفعالية من طبقات تتعافى من أوهام الوعود الديماغوجية الأمنية والقومية الصهيونية.

البديل المطلوب في مواجهة فظائع الجماهير للاحتلال والرأسمالية الإسرائيلية تحت رعاية الإمبريالية الأميركية، ولتحقيق مطالب ديمقراطية أساسية، هو جدول أعمال يساري طبقي اشتراكي، عابر للأمم، لدفع نضال متواصل لحل الصراع الوطني‑الاستعماري الملطّخ بالدم، وفي جوهره ضرورة ضمان حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال الوطني والحرية والمساواة والرفاه. فقط في سياق نضال من أجل تغيير اشتراكي إقليمي، عبر تحرير من هيمنة القوى الإمبريالية، والأنظمة الديكتاتورية في المنطقة، وسياسة النزع الصهيونية، والرأسمالية، يمكن تأسيس سلام إقليمي على أساس حق متساوٍ في الوجود للشعبين بين النهر والبحر ولكافة شعوب المنطقة. بناء قوى ستدفع بشكل منهجي مثل هذا التغيير، رغم أنها رأي أقلية اليوم، هو شرط مسبق لاختراقات مستقبلية في بناء قوى تغيير اشتراكية منظمة على نطاق واسع.

كنت قد تكون مهتمة ايضا...
انضمّوا إلينا!
نحن بحاجة ماسّة لأن نناضل في سبيل التغيير، في وجه حكومة عنصرية، في وجه الاحتلال والمنظومة الرأسمالية المستمرّة في انتهاج سياستها الأوليچاركية (حكم الأقلية) الفاسدة، اللامساواة، التمييز، شنّ الحروبات وتدمير ما حولها. نضال اشتراكي هي حركةٌ مكافِحة، حركة الأفكار النَّشِطة، ذات سِجِلٍّ حافلٍ في المشارَكة ولها شُركاء من جميع أنحاء العالم، تطرح في أجندتها بديلًا حقيقيًا للتغيير الإشتراكيّ. هيّا انضمّوا إلينا!

حركة نضال اشتراكي
حركة نضال اشتراكي
ص.ب 125, تل أبيب–يافا 6100101
[email protected]
054.548.13.78 | 054.818.44.61
نضال اشتراكي هي حركة اشتراكية تناضل من أجل مجتمع اشتراكي وديمقراطي يقوم على العدالة الاجتماعية والسلام والمساواة.
يشارك في حركة النضال الاشتراكي شركاء وشريكات من منظمات نضال اشتراكية حول العالم، ونحن نعمل أيضًا على تعزيز بناء منظمة نضال دولية.