|
٩٠ سنة على الثورة والحرب الأهلية في إسبانيا كانت الجماهير مستعدة تدفع أي ثمن عشان "الفاشية ما تمرّ"، فشو اللي خرب؟
تموز 1936 في إسبانيا (المصدر: ويكيميديا) التجربة التاريخية للثورة الإسبانية ولصعود وسقوط الجمهورية وحكومة "الجبهة الشعبية" في إسبانيا بتضل جزء من النقاش السياسي حول العالم بظل أزمة اجتماعية عميقة وتهديدات وهجمات من قوى اليمين الشعبوي واليمين المتطرف 28
السنة، وفي خضم النضالات ضد الحروب الإمبريالية، وضد تقوّي اليمين المتطرف حول العالم وضد الرجعية الترامبية، رح نحيّي السنة الـ٩٠ للأحداث الدراماتيكية للثورة والحرب الأهلية في إسبانيا. هاي الحرب اللي خلّدت الشعار "الفاشية ما رح تمرّ!" — واللي بعدها بيرنّ بالمظاهرات بالبلد وبالعالم. الهزّات تركت إرث ثوري من تجنيد وانتفاضة جماهيرية لطبقة العاملين والعاملات ضد ثورة‑المضاد الفاشية وضد النظام الرأسمالي اللي ربّاها. هالإرث رح يُحيّى بسلسلة فعاليات ذكرى وتحية، مقالات، سيمينارات وفعاليات ثقافية، ورح يضل يثير نقاشات سياسية بإسبانيا وبأوساط اليسار حول العالم، بوقت ضلّت فيه صلته بأسئلتنا السياسية المشتعلة بهالفترة. التجربة التاريخية للثورة الإسبانية ولطلوع وسقوط الجمهورية وحكومة "الجبهة الشعبية" بإسبانيا بعدها جزء من النقاش السياسي حول العالم ببلدان فيها قوى يمين شعبوي ويمين متطرف رافعين راسهم. ائتلافات "الجبهة الشعبيّة" وصلت إلى الحكم تحت ظلّ خطر الفاشيّة في إسبانيا وفرنسا عام 1936، ولاحقًا أيضًا في تشيلي عام 1938. الفكرة تقوم على مشاركة قوى اليسار الاشتراكي المنبثقة من حركة العمال والعاملات في ائتلاف مع قوى رأسماليّة في الصراع على السلطة داخل المجتمع، وكأنّه إجراء طارئ لوقف الفاشيّة. وترتبط الفكرة أيضًا بـ"نهج المراحل"، الذي يقول إنّه يجب النضال في المرحلة الأولى بشكل منفصل من أجل الديمقراطيّة والاستقلال الوطني، ضمن إطار رأسمالي، تمهيدًا لمرحلة لاحقة يُفترض أن تنضج فيها الشروط للنضال من أجل تطبيق برنامج اشتراكي كذلك. بفرنسا، بعد تقوّي اليمين المتطرف بشكل دراماتيكي بانتخابات البرلمان الأوروبي قبل سنتين، انعمل تحالف انتخابي باسم "الجبهة الشعبية الجديدة" (Nouveau Front Populaire)، بمبادرة جهات من حركة اليسار LFI بقيادة ميلنشون. كان هاد محاولة للاتصال بذاكرة تاريخية من النضال ضد الفاشية كجزء من توجه لرغبة عميقة عند جماهير بفرنسا يشوفوا جبهة نضال واسعة اللي بتنجح مش بس تسكّر الطريق على اليمين المتطرف بصندوق الاقتراع، بل توجّه ضربة ضد تقوّيه بالمجتمع عمومًا. على المستوى المحلي، الإشارات لـ"الجبهة الشعبية" بإسبانيا بتطلع بنقاشات عن استراتيجية للنضال ضد اليمين المتطرف الإسرائيلي وضد العدوانية تبعت حكومة الموت الرأسمالية تبعت نتنياهو، على خلفية أزمة الحرب المستمرة، هجمة الإبادة بغزة، تعميق الاحتلال وتوسع إرهاب المستوطنين الكهاني‑الفاشي. بحداش، مثلًا، برجعوا لهالتجربة بالنقاشات عن دور اليسار و"القائمة المشتركة" قبل الانتخابات الجايّة. مع هيك، ميزان التجربة التاريخية بيوضّح إنه مش كافي وجود رغبة، اللي هي عادلة بحد ذاتها، بنضال قوي وواسع اللي بنجح يوحّد شرائح جماهيرية ضد اليمين المتطرف. تضامن أمميالهزّات الدراماتيكية بسنة ١٩٣٦ بإسبانيا جذبت انتباه عالمي. بعد وقت قصير من إقامة حكومة "الجبهة الشعبية" بلّشت الانقلاب الفاشي تبع الجنرال فرانكو، اللي شكّل بداية الحرب الأهلية وانردّ عليه بانتفاضة جماهيرية. وبالنظر لورا، انشافت الحرب الأهلية كـ"بروفة عامة" قبل الحرب العالمية التانية. بس بوقتها، جماهير حول العالم شافوا بالنضال ضد الفاشية بإسبانيا فرصة أخيرة لوقف الانحدار لحرب عالمية ولتسديد هزيمة مش بس لفلنجات فرانكو، بل كمان لحلفائه من الأنظمة الفاشية بإيطاليا وبألمانيا. إسبانيا — لجنب فرنسا — صارت ساحة مفتاح بالنضال ضد صعود الفاشية. وبالواقع، صارت ساحة حاسمة بالمواجهة بين قوى الثورة وثورة‑المضاد على مستوى إقليمي وحتى عالمي. عشرات آلاف العاملين والعاملات من كل أنحاء العالم تطوّعوا يوصلوا لإسبانيا ويقاتلوا بالسلاح لوقف القوى الفاشية. التجنيد تنظّم ضمن الألوية الدولية تبع الكومينترن ("الأممية الشيوعية"، اللي كانت وقتها تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي الستاليني)، وضمن ميليشيات الأناركيين وميليشيات حزب POUM. النساء المتطوعات أصرّوا يعملوا هالخطوة رغم شروط قبول أصعب بسبب التمييز والأفكار المسبقة على خلفية جندرية. معظم المتطوعين إجوا من فرنسا أو من بين لاجئين هربوا من الأنظمة الفاشية بألمانيا وبإيطاليا. ومن المهم كمان ذكر وجود متطوعين من أمريكا ومن دول أمريكا اللاتينية، وبالأساس من شمال أفريقيا ومن الشرق الأوسط. ومن ضمنهم شارك مقاتلين من فلسطين "الانتدابية" — عرب ويهود، أغلبهم أعضاء بالحزب الشيوعي الفلسطيني. بالمقابل، الأحزاب الصهيونية وقتها، بما فيها اللي حاولوا يبينوا حالهم كـ"اشتراكيين"، عارضوا إرسال متطوعين. وكان يعقوب حزان، من قادة حركة "هشومير هتسعير"، اللي صاغ الشعار "حنّيتا قبل مدريد".[1] بس حسب تقديرات مختلفة، ١٥٠–٣٠٠ شابات وشباب يهود انضمّوا للألوية الدولية،[2] متحدّين دعاية قومية صهيونية اللي دعت لتجنيدهم لخدمة مشروع الاستيطان والاقتلاع القومي، ولسحق الثورة العربية الكبرى اللي اندلعت كمان بسنة ١٩٣٦. التجنيد المحلي كان، زي ما ذكرنا، عابر قوميات. واحد من المتطوعين الفلسطينيين المعروفين بالألوية كان الشيوعي محمد نجّاتي صدقي. هو واجه أصوات يمينية بين النخبة العربية المحلية اللي دعوا لدعم كتائب فرانكو — اللي جنّدوا، من بين أمور ثانية، من المغرب من بين السكان اللي كانوا تحت الاستعمار الإسباني — وكأنه خطوة ضد الإمبريالية البريطانية، اللي كانت ظاهريًا بجانب الحكومة الجمهورية بإسبانيا. سلطات الانتداب البريطاني، اللي قمعت الثورة العربية الكبرى، لاحقت واعتقلت صدقي لمدة سنتين، بس هو وقف ضد المنطق اللي بقول "عدو عدوي هو شريكي". بأحد مقالاته، اللي نُشر وقت الحرب الأهلية بإسبانيا بجريدة "الطليعة" الاشتراكية اللي صدرت ببيروت، كتب صدقي: "أنا متطوّع عربي، جاي أدافع عن حرية العرب بجبهة مدريد. وصلت أدافع عن دمشق بغوادالاخارا، عن القدس بقرطبة، عن بغداد بطليطلة وعن القاهرة بالأندلس".[3] مع إنه الأحزاب الشيوعية وقتها، بتوجيه من الكرملين، ركّزت على برنامج وطني‑ديمقراطي على حساب الأممية الطبقية والاشتراكية، صدقي عبّر فعليًا عن نداء للجماهير بالشرق الأوسط يدعموا الثورة بإسبانيا من منطلق فهم إنه نجاحها رح يعطي دفعة هائلة لحركات مناهضة الاستعمار — وإنه تحرير الأمة العربية من نير الإمبريالية والتحرر الاجتماعي للجماهير بالمنطقة هو أساسًا جزء من نضال عالمي. بس جهود صدقي ما كانت متماشية مع سياسة الحكومة الجمهورية بمدريد، اللي رفضت الاعتراف بحق تقرير المصير للمغرب ومنعت حتى إمكانية حكم ذاتي. هاد نبع من رغبتها ترضي الإمبريالية الفرنسية والبريطانية، اللي كانوا وقتها بتعاملوا مع ثورات بمناطق تحت سيطرتهم بشمال أفريقيا. رغم هيك، الطبقات الرأسمالية بفرنسا وببريطانيا فضّلوا يكملوا بسياسة "عدم التدخل" بوقت اللي الأنظمة الفاشية الإيطالية والألمانية تدخلوا عسكريًا بكل قوتهم، بما فيها قصف مرعب لمراكز سكانية. قصف سلاح الجو الألماني النازي ببلدة غيرنيكا انخلّد بعمل بيكاسو الخالد.
انتخابات، انقلاب، ثورة… وقمعمع إنه ما كانتش هاي نية قادتها، صعود حكومة "الجبهة الشعبية" بالانتخابات الديمقراطية بشباط ١٩٣٦ — أول انتخابات بإسبانيا اللي حصلت فيها النساء على حق التصويت — فتح فصل جديد بنضال ثوري لطبقة العاملين والعاملات وللفلاحين، وكمان للحركة النسوية، وللأمم المضطهدة بدولة إسبانيا، وللجماهير اللي كانت مستعبدة تحت الاستعمار الإسباني بشمال أفريقيا. موجة إضرابات عمالية ونضالات فلاحين بلا أرض اندلعت فور انتهاء الانتخابات، وانطردت قوى يمين متطرف بالقوة من الشوارع، من منطلق فهم جماهيري إنه اليمين المتطرف مش ممكن ينحجب بس عن طريق صندوق الاقتراع، وإنه حكم رأس المال مش رح يعطي تنازلات وحقوق بدون نضال. خلال خمسة أشهر، بشهر تموز، بلّش الانقلاب الفاشي اللي قاده فرانكو، واللي حصل على دعم من الأغلبية الساحقة من طبقة أصحاب رأس المال بإسبانيا، كبار ملاك الأراضي ورؤساء الكنيسة. مع إنه الانقلاب تنظّم كرد على صعود الحكومة الجمهورية، بجوهره كان موجّه ضد القوة المتصاعدة لطبقة العاملين بإسبانيا وضد طموحاتها لتغيير اشتراكي ثوري. فعليًا، سياسة الحكومة — اللي ما تحدّت حكم رأس المال ولا حتى قوة الكنيسة والضباط الكبار — ما كانتش بحد ذاتها خطر على الطبقة الحاكمة. الانقلاب الفاشي انردّ عليه، زي ما ذكرنا، بانتفاضة ثورية جماهيرية بـ١٩ تموز. ببرشلونة، النقابات ومنظمات العاملين الرسمية، لجنب تنظيمات عمالية تلقائية وميليشيات تأسست بحرارة الأحداث، بلّشوا يمسكوا فعليًا الحكم من إيد الطبقة الحاكمة. قادة الأحزاب اللي شاركوا بحكومة "الجبهة الشعبية" عارضوا تطور احتلال مباني الحكم، القواعد العسكرية، والأهم من هيك، الأراضي والمصانع، من قبل تنظيمات الفلاحين والعاملين، لجنب التسلّح الجماهيري. النضال الجماهيري ضد الفاشية اللي تطوّر لعملية ثورية ضد حكم رأس المال بالمجتمع، راح أبعد بكتير من برنامج التغيير المحدود اللي صاغوه هالقادة بإصرارهم على الحفاظ على علاقات الملكية الرأسمالية. هم اتفقوا مسبقًا يرفضوا بشكل قاطع مطلب مصادرة ونقل البنوك، الشركات الكبرى والأراضي لملكية عامة ولسيطرة ديمقراطية بيد العاملين. ولما الجماهير هاجمت لتصادر السيطرة على هالممتلكات الاجتماعية — اللي كثير منها كان أصلًا بملكية أصحاب رأس مال مؤيدين للفاشيين وهربوا من البلد — وزراء حكومة "الجبهة الشعبية" مش بس حاولوا يوقفوا المبادرات من تحت، بل لجأوا للقوة لإفشالها بحجة إنه ضمان النصر العسكري على فرانكو تطلّب الحفاظ على "النظام" بالجانب الجمهوري. الجماهير الثورية بإسبانيا واجهت بسرعة مهمة مزدوجة: صد الهجوم العسكري لثورة‑المضاد الفاشية، وبنفس الوقت منع محاولات الحكومة الجمهورية تتدخل لإنقاذ النظام الاجتماعي اللي أنجب الفاشية — النظام الرأسمالي القائم على الاستغلال، الفقر والقمع السياسي. من ناحية السياسة الأساسية اللي انطبقت فعليًا، الحكومة الجمهورية ما كانتش بجانب الجماهير. كانت حكومة مؤيدة للرأسمالية، حتى لو شاركت فيها القيادات الرسمية لحركة العاملين والعاملات بإسبانيا، بما فيها أحزابها — الستالينيين، الاشتراكي‑الديمقراطيين، وكمان POUM والأناركيين. باسم "الوحدة ضد الفاشية"، قادة هالأحزاب وجدوا نفسهم بدرجات مختلفة متعاونين مع خطوات قمع اتخذتها الحكومة الجمهورية الرأسمالية ضد الشرائح الأكثر ثورية من طبقة العاملين، اللي ادّعوا إنهم بيمثلوها. "الحزب الشيوعي"، بتعليمات مباشرة من الكرملين، قاد الخط الأكثر عدوانية ضد المعارضة من اليسار اللي تطورت بين طبقة العاملين. بمرحلة معيّنة، ستالين اشترط كل دعم عسكري واقتصادي من الاتحاد السوفييتي بقمع المعارضة الاشتراكية. خطوات الحكومة الجمهورية، تحت غطاء الحصول على سلاح ودعم دولي لضمان نصر عسكري ضد الفاشية، قوّضت قدرة العاملين يعملوا بالضبط هالشي — يهزموا انقلاب الجنرال فرانكو ويفككوا قاعدة دعمه الاجتماعية، خصوصًا بين شرائح من الفلاحين الفقراء اللي كانوا عطشانين لإصلاحات اجتماعية. وحدة بالنضال ضد الفاشيةبعد صعود هتلر للحكم بسنة ١٩٣٣، جماهير العاملين بإسبانيا فهموا منيح ضرورة وجود جبهة موحّدة لمنظماتهم ضد تهديد ثورة‑المضاد الفاشية — اللي كانت معروفة بإسبانيا بهالمرحلة بالأساس مع CEDA ومع خيل روبليس (Gil Robles). وحدة من هالنوع ظهرت بـ"تحالف العمال" (Alianza Obrera). هالتنظيم تأسس بسنة ١٩٣٤ متحدّيًا الإصلاحية المتكيّفة مع الوضع عند قادة "حزب العمال الاشتراكي الإسباني" (PSOE)، ورافضًا موقف قادة الحركة الأناركو‑نقابية ومنظمة CNT (اتحاد العمل الأناركي) اللي رفضوا يتدخلوا بالنضال السياسي، وكمان موقف قادة "الحزب الشيوعي الإسباني" (PCE)، اللي لحد وقتها كانوا يعتبروا إنه ما في أي فرق بين القوى الفاشية وقوى يمين ثانية ولا حتى قوى اشتراكية‑ديمقراطية. إقامة "تحالف العمال" كانت خطوة لقدّام للنضال الطبقي، رغم محدودياته، ومهّدت الطريق لانتفاضة عمّال المناجم بأستورياس بهديك السنة، ولسلسلة إضرابات ونشاطات جماهيرية اللي دمّرت حركة روبليس. بس "الجبهة الشعبية" تبعت ١٩٣٦ ما كانتش استمرار لـ"تحالف العمال" تبع ١٩٣٤. هي مثّلت كسر لفكرة الجبهة الموحّدة لحركة العاملين، واستبدلتها بتحالف مع أحزاب البرجوازية الجمهورية الليبرالية، مثل "اليسار الجمهوري" تبع مانويل أثانيا (Manuel Azaña). انضمام نقابات وأحزاب طبقة العاملين لبلوك سياسي مشترك مع أحزاب رأسمالية فرض برنامج "مشترك" اللي قيّد نشاط حركة العاملين للي كان مقبول من ناحية أصحاب رأس المال ومنفّذي سياساتهم. إقامة "الجبهة الشعبية" بإسبانيا كان إلها علاقة مباشرة بثورة‑المضاد السياسية الستالينية بالاتحاد السوفييتي، اللي أدّت كمان لستالنة كاملة للكومينترن. تحت ستالين — بعد ما أفشل النضال ضد صعود النازيين بألمانيا — الكومينترن دفع بقوة، من سنة ١٩٣٥ وطالع، لتأسيس "جبهة شعبية" مع البرجوازية "الديمقراطية". مش بالرغم من القيود اللي جبهة من هالنوع فرضتها على حركة العاملين وعلى النضال للاشتراكية، بل بالضبط بسببها. بهديك الفترة، مصلحة الكاستا البيروقراطية التوتاليتارية اللي مثّلها ستالين كانت إنها تظهر كشريك موثوق للإمبريالية الفرنسية والبريطانية، من خلال إزالة أفق الثورة الاشتراكية من جدول أعمال "الأحزاب الشيوعية" اللي كانت تحت سيطرته المحكمة — بفرنسا، بإسبانيا وبكل مكان. كاسبر براسكين (Kasper Braskén)، بمقال نُشر هالسنة بمجلة Jacobin بمناسبة ٩٠ سنة لحكومة "الجبهة الشعبية" بإسبانيا[4]، واللي بعرض موقف منتشر بأوساط اشتراكية‑ديمقراطية، بجادل "منتقدي اليسار المتطرف للكومينترن، ومن ضمنهم التروتسكيين"، اللي "شافوا بالجبهة الشعبية خيانة مدمّرة للسياسة الثورية". بنفس المقال، براسكين بيعترف إنه "بكل الحالات، الجبهة الشعبية قامت أولًا وقبل كل شيء كخطوة توازن هدفها إنتاج انسجام بين مصالح العمل ورأس المال". بالواقع، المصالح المتناقضة جوهريًا بين العمل ورأس المال — بين الطبقة المستغَلّة والطبقة المستغِلّة — ما كان ممكن تتوازن أو توصل لانسجام بزمن السلم، وبالأحرى بزمن أزمة، حرب وثورة. إخضاع حركة العاملين والعاملات لمصالح رأس المال من خلال نفي أبسط مطالب العاملين هو فعلًا "خيانة مدمّرة" بجوهرها، وبأسعار باهظة، بما فيها أرواح بشر. حركة العاملين انفرض عليها "تحط على جنب" لوقت غير معروف مطالبها لرفع مخصصات البطالة، ولتوزيع الأراضي من إيد كبار الملاّك على الفلاحين بلا أرض، ولمصادرة الموارد من أصحاب رأس المال، بما فيها السيطرة على البنوك، بوقت أزمة رأسمالية دولية ومحلية متفاقمة. ثمن الأزمة اندفع من جيبة العاملين والشرائح الأفقر من الفلاحين اللي عانوا حتى من الجوع. النتائج قوّت بس الأساس للخطاب الشعبوي للفاشيين تجاه هالشرائح مع الشعار "شو أعطتكم الجمهورية تاكلوا؟" — ومع وعد بإنقاذ من الأزمة. كجزء من استخلاص الدروس من الثورة الإسبانية، لازم نفحص الطابع الاجتماعي‑الطبقي لائتلاف "الجبهة الشعبية"، ودوره بسياق أزمة اجتماعية أساسية، وعملية ثورة اجتماعية وثورة‑مضاد اللي صارت بإسبانيا وبرّاها. فعليًا، "الجبهة الشعبية" بإسبانيا استُخدمت لتجبر حركة العاملين تتنازل، باسم "الوحدة ضد الفاشية"، عن مطالبها السياسية الأساسية والملحّة بهديك الفترة لصالح استمرار التحالف مع قوى رأسمالية. وهالتنازل كان إله نتائج كارثية، اللي مهّدت الطريق لانتصار ثورة‑المضاد الفاشية بإسبانيا ولنظام ديكتاتوري استمر لحد موت الجنرال فرانكو بسنة ١٩٧٥. سحب المركز السياسي لليسار؟براسكين بدّعي إنه "يمكن، ولو مش بعدل، إنه الجبهة الشعبية معروفة اليوم بالأساس كآلية دفاع ضد الفاشية واليمين المتطرف، بس لازم نشوف فيها بنفس القدر وسيلة قوية لسحب المركز السياسي لليسار". بس الحقيقة إنه نفس الجبهة كانت وسيلة لتحريك أحزاب العاملين لليمين، وهذا اللي خلّاها كمان آلية فاشلة بالدفاع ضد الفاشية. "أسوأ وأكتر شكل رجعي من اليوتوبية هو فكرة إنه ممكن نناضل ضد الفاشية بدون ما نتغلّب على الاقتصاد الرأسمالي" — هيك لخّص تجربة "الجبهة الشعبية" بإسبانيا ليون تروتسكي، من قادة الثورة الاشتراكية الأصلية بروسيا ومؤسس الأممية الرابعة (اللي براسكين بسميهم "تروتسكيين"). تروتسكي تابع أحداث الثورة والحرب الأهلية بإسبانيا، ناقش وجادل حولها مع قادة حركة العاملين بإسبانيا وعلى المستوى الدولي، وكتب عنها كثير. هو شاف بالأحداث الدراماتيكية امتحان سياسي للأفكار والقوى السياسية، وللقادة، أبعد بكتير من حدود إسبانيا. إحنا قدّام نقاش تاريخي اللي بعدها إله صلة. المؤيدين اليوم لـ"الجبهة الشعبية" التاريخية بإسبانيا، خصوصًا من بين أحزاب "شيوعية" اللي بعدها مستمرة بجوانب معيّنة من الإرث السياسي الستاليني، بيستخدموا المثال التاريخي لترويج تحالف سياسي طويل الأمد بين قوى يسارية وبين أحزاب رأسمالية من "الوسط"، كجواب على التهديد اللي بتمثّله قوى اليمين المتطرف واليمين الشعبوي. مثال محلّي على هالشي ممكن نلاقيه مثلًا بموقف عضو الكنيست السابق دوف حنين بمقال نشره بفترة تأسيس حركة "واقفين معًا"[5]: "التعامل مع المخاطر لازم يستفيد من تجربة الماضي. ثلاثينات القرن الماضي ما كانتش بس فترة صعود الفاشية، بل كمان أيام 'الجبهة الشعبية' — وقفة ملهمة قدّامها… عشان نفهمها لازم ننتبه للكلمتين. كلمة 'جبهة' بتعبّر عن شراكة واسعة بين ليبراليين، اشتراكيين وشيوعيين، اللي اتكوّنت بثلاثينات فرنسا وإسبانيا، ولاحقًا تترجمت لتحالف مضاد‑نازي بين دول بالحرب العالمية التانية. كلمة 'شعبية' بتقول إنه ما بنفع قدّام الفاشية تحالف نخب، بل لازم جبهة بتحكي مع الشعب ومن داخل الشعب، وبتعبّر عن الضيقات، الغضب والرغبات الشعبية — بدل ما هالأشياء تنخطف وتتملك من اليمين". "الجبهة الشعبية" فعلًا ما كانتش "تحالف نخب". بس كانت تحالف مع النخب، وبقيادة النخب، لحماية مصالح النخب. هالحقيقة ظهرت من مرحلة البرنامج "المشترك". بينما برنامج انتخابات "الجبهة الشعبية" — اللي اتفق عليه وتوقّع من كل أحزاب العاملين، بما فيها POUM — وعد يحرّر جماهير الأسرى السياسيين اللي قادوا انتفاضة ١٩٣٤ بأستورياس وبكل إسبانيا، هو رفض علنًا كل باقي مطالب المفتاح لحركة العاملين: "الجمهوريون لا يقبلون مبدأ تأميم الأراضي وتسليمها مجانًا للفلاحين […] الجمهوريون لا يقبلون مخصصات البطالة اللي طالبت فيها ممثليات العاملين […] الأحزاب الجمهورية لا تقبل خطوات تأميم البنوك اللي اقترحتها أحزاب العاملين […] الأحزاب الجمهورية لا تقبل رقابة العاملين".[6] الرفض لهالمطالب كان ثابت واستمر طول أيام "الجبهة الشعبية" لحد استسلامها لفرانكو. من مرحلة مبكرة نسبيًا بطّلت حكومة "الجبهة الشعبية" تعبّر بشكل موثوق عن "الضيقات، الغضب والرغبات الشعبية"، بوقت انكشفت فيه كعائق قدّام إصلاحات اجتماعية واسعة، وبالأحرى قدّام برنامج اشتراكي كامل اللي يقدّم حلول جذرية للأزمة. قوات فرانكو اعتمدت واستغلّت تراجع الثقة الشعبية بالحكومة الجمهورية، وتراجع المعنويات والثقة بالنفس بين جماهير طبقة العاملين وبالذات بين الفلاحين. بكانون الأول ٣٧، بمقال بعنوان "دروس إسبانيا — التحذير الأخير"، شرح تروتسكي إنه بإسبانيا: "ما نقصتش بطولة وشجاعة من الجماهير ومن ثوريين أفراد. بس الجماهير تُركت، بينما الثوريين ظلّوا منقسمين، بلا برنامج وبلا خطة عمل. القادة العسكريين 'الجمهوريين' كانوا مشغولين أكتر بقمع الثورة الاجتماعية من تحقيق انتصارات عسكرية. الجنود فقدوا الثقة بقادتهم، والجماهير — بالحكومة؛ الفلاحين انسحبوا؛ العاملين انهكوا؛ هزيمة ورا هزيمة؛ والانحلال المعنوي زاد بسرعة. ما كانش صعب نتوقع كل هاد، من بداية الحرب الأهلية. لأنها حطّت لنفسها هدف إنقاذ النظام الرأسمالي، حكمت 'الجبهة الشعبية' على نفسها بهزيمة عسكرية".[7] دروس تاريخيةحنين، بمحاضرة قدّمها بسنة ٢٠١١ بعنوان "نتعلم من التجربة: استعراض مقاومات للفاشية بالتاريخ العالمي"[8]، ادّعى إنه "جبهة شعبية ممكن تنجح" وإنه "إسبانيا كانت نجاح". حاول يوفّق بين الادعاء بـ"نجاح" وبين الكارثة تبعت انتصار الفاشية بهالطريقة: "صحيح إنه بعدين كانت حرب أهلية، اللي صار فيها تدخل خارجي من إيطاليا وألمانيا وسياسة عدم تدخل من دول الغرب، اللي سمحت تغرق هالنظام بالدم، بس الجبهة الشعبية بإسبانيا نجحت". تروتسكي وقتها ردّ على منطق من هالنوع وقال: "مضحك تبرير الهزيمة بالاعتماد على التدخل العسكري للفاشيين الإيطاليين والنازيين الألمان، وعلى سلوك 'الديمقراطيات' الفرنسية والبريطانية الخائن. الأعداء دايمًا رح يضلّوا أعداء. الرجعية دايمًا رح تتدخل قد ما بتقدر. 'ديمقراطية' إمبريالية دايمًا رح تخون. معنى هاد إنه انتصار طبقة العاملين مستحيل بشكل عام! بس شو بالنسبة لانتصار الفاشية بإيطاليا وبألمانيا نفسهم؟ هناك ما كانش في أي تدخل خارجي. كان هناك طبقة عاملين قوية وحزب اشتراكي كبير جدًا، وبحالة ألمانيا — كمان حزب شيوعي كبير. ليش، إذًا، ما تحقق انتصار على الفاشية؟ بالضبط لأنه الأحزاب القيادية بهالبلدين حاولت تختزل المسألة لنضال 'ضد الفاشية'، بينما بس ثورة اشتراكية ممكن تهزم الفاشية."[9] بهالسياق تروتسكي تطرّق كمان للادعاءات — اللي بتنذكر بالمحاضرة المذكورة — إنه بوقت النضال ضد خطر الفاشية ما كانش في مكان لموقف "طهراني" تجاه تحالف مع البرجوازية الجمهورية: "لازم نركّز كل القوى بتحقيق الهدف الفوري… طبعًا! بس، فسّرولنا ليش خلال النضال ضد الفاشية الأراضي لازم تضل بملكية كبار الملاّك، والمصانع والمعامل بملكية أصحاب رأس المال، اللي كلهم بمعسكر فرانكو؟ يمكن لأنه الفلاحين والعاملين مش ناضجين كفاية ليمسكوا بالأراضي والمصانع؟ بس هم أثبتوا نضجهم لما سيطروا، بمبادرتهم، على الأراضي والمصانع. رجعيين، بيسمّوا نفسهم جمهوريين، تحت قيادة الستالينيين، نجحوا يسحقوا هالحركة القوية هادي باسم 'مناهضة الفاشية'، بس فعليًا لصالح مصالح أصحاب الملكية البرجوازية."[10] الادعاء إنه الائتلاف الاجتماعي تبع "جبهة شعبية" كان ناجح بالنضال ضد الفاشية مش مبني تاريخيًا. وممكن يقدّم قصر نظر سياسي ويؤدي لاستنتاجات غلط كمان بالنسبة للتحديات بالنضال اليوم ضد تهديدات اليمين المتطرف. بالمرحلة الحالية صحيح إنه بشكل عام ما في أحزاب نضال جماهيرية مبنية على طبقة العاملين والعاملات، بس مقاربة مجردة زيادة عن اللزوم لمسألة "الشراكة" السياسية بالنضال ضد تهديدات اليمين المتطرف ممكن تكون خطيرة. الأسئلة: أي قوى بتتحالف مع بعض، وعلى أي أساس، وحول أي برنامج سياسي وأي خطة عمل — بتضل أساسية. منطق "جبهة شعبية" مطبّق بحالات كثيرة سواء بفكرة إقامة "حكومة يسار"، أو بالنسبة لائتلافات سياسية أضيق. على المستوى المحلي، مثلًا، اليسار الاشتراكي لازم يحذّر من تحالفات سياسية "ديمقراطية" مع قوى يمين داعمة احتلال وحكم رأس المال، اللي برّروا وشجّعوا حرب الإبادة بغزة، مثل بينيت، لابيد والجنرال غولان، اللي بظهروا كـ"ليبراليين" و"ديمقراطيين" بنظر نفسهم. وكمان، لازم نميّز بين تعاون تكتيكي مؤقت، حتى مع قوى ليبرالية، بهدف وقف تشريع أو هجمات معيّنة، وبين ائتلافات سياسية واسعة وتحالفات انتخابية طويلة الأمد حول برنامج "مشترك" مع قوى سياسية رأسمالية. اللي بتعاملوا اليوم مع "الجبهة الشعبية" التاريخية كنموذج ناجح، بيروّجوا لفكرة برنامج مشترك، اللي معناها التحالف لترويج نسخة مخففة ظاهريًا من أجندة رأسمالية قومية، اللي رح تمهّد الطريق لأزمات خطيرة إضافية، بدل ما يروّجوا بديل سياسي جوهري بيدفع نضال حول استراتيجية خروج جذرية من أزمة نظامية. الذاكرة هي سياسيةما في شك إنه بمرور ٩٠ سنة على الثورة الإسبانية، اشتراكيين رح يكرّموا بطولة الجماهير وشجاعة الثوريين الأفراد. رح نتذكّر عشرات آلاف العاملين والفلاحين اللي ضحّوا بحياتهم بالنضال الثوري للتحرر وللاشتراكية. رح نتذكّر الرفيقات والرفاق من الصفوف بــUGT، وبـCNT وبـPOUM، اللي رغم الأخطاء الجسيمة والخيانة من قادتهم، استمرّوا يقاتلوا للآخر — بعضهم سقط بالمعارك أو بسجون فرانكو، وغيرهم تصفّوا على يد عملاء ستالين. بس الذاكرة لازم تكون سياسية. لازم تكون طريق لتعلّم الدروس المركزية من الثورة الإسبانية. أكثر من أي شي، الثورة وضّحت بشكل تراجيدي إنه العزيمة الحيوية اللي ظهرت بالشعار "الفاشية مش رح تمرّ" مش كافية بحد ذاتها. مش أقل أهمية الإصرار على وضوح فكري وعلى مبادئ بالنضال، بما فيه قدّام ضغوط "لتوحيد الصف" مع قوى ليبرالية، و"لتخفيف" المطالب الاشتراكية و"لتأجيل" النضال للاشتراكية لـ"مرحلة لاحقة" بسبب "خطورة اللحظة" و"التهديد القريب". تحالف سياسي ضد اليمين المتطرف اللي بحط القوى المؤيدة للرأسمالية وبرنامجها السياسي بالمقدّمة، وبيحوّل اليسار الاشتراكي لذيل و"أيدي عاملة" على الأرض بينما النخب بتاخذ القرارات، ممكن يقود بالعكس تمامًا لتقوية قوى يمين شعبوي ويمين متطرف اللي رح يضلّوا يتقمّصوا دور البديل لأحزاب المؤسسة ويركبوا على الضيقات الجماهيرية وعلى التناقض بالمجتمع تجاه ممثلي النخب. الثورة الإسبانية وضّحت، ولو بطريقة سلبية، إنه الحاجة مش لـ"جبهة شعبية جديدة"، بل ليسار اشتراكي موجّه‑هدف وما بيعتذر. يسار اشتراكي بيعرف يقود بالبرنامج السياسي المطلوب كمان تعاونات وكمان تجنيد قوى ليبرالية على أساس مبدئي لتوجيه ضربة لليمين المتطرف، بدون ما ينسّي إنه أزمة الرأسمالية وفشل السياسة الليبرالية هم السبب والسياق لصعوده. [1] رَعنان راين، مجلة "كتدرا" عدد 179، أيلول 2021، ص. 135–156 [2] برودكين، "يديعوت أحرونوت"، تشرين الأول 1972، ص. 14 [3] Memoirs of a Palestinian Communist in the Spanish International Brigades، Jerusalem Quarterly، Issue 62، 2015 [4] Kasper Braskén، The Promise and Tragedy of the Popular Front، Jacobin، 02.23.2026 [5] دوف حنين، اليسار لازم يمرّ للهجوم، صحيفة 'هآرتس'، 13.02.2017 [6] Manifiesto del Frente Popular، El Socialista، 16 January 1936 [7] Leon Trotsky، The Lessons of Spain — The Last Warning، December 1937 [8] دوف حنين، نتعلم من التجربة: استعراض مقاومات للفاشية في التاريخ العالمي، 26.01.2011 [9] Leon Trotsky، On the Causes for the Defeat of the Spanish Revolution، March 1939 [10] Trotsky، 1939، Ibid |
تموز 1936 في إسبانيا (المصدر: ويكيميديا) المقالات الأخيرة في الموقع |