|
مقابلة مع آخر مؤسّسي حركة «متسْپِين» لا حلّ حقيقيًّا من دون نضال من أجل شرق أوسط اشتراكي
جبرا نقولا (على اليمين) وموشه ماحوفر، 1968 (المصدر: متسْپِين) موشه ماحوفر، آخر مؤسسي التنظيم الاشتراكي التاريخي «متسْپِين»، ينشط منذ عقود في بريطانيا ويواصل النضال ضد المنطق الكامن في أساس حرب الإبادة. تحدثنا معه حول أهمية التشخيصات المركزية التي تبلورت قبل نحو ستة عقود بقيادة التروتسكي الفلسطيني جبرا نقولا بشأن حل جذري للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني 399
موشه ماحوفر، اشتراكي بريطاني–إسرائيلي من مواليد عام 1936، هو آخر مؤسسي منظمة «متسْپِين» (بوصلة) التي تأسست في إسرائيل عام 1962. ومنذ هجرته إلى لندن عام 1968، واصل الترويج لأفكار اشتراكية، مع تركيز خاص على إسرائيل–فلسطين. في عام 2017 طُرد من حزب العمال في إطار حملة مطاردة ساحرات، بتهمة فاضحة بمعاداة السامية، على خلفية مقال هاجم فيه نفاق جهات مؤيدة للصهيونية تشهّر بالنقد الموجّه إلى الصهيونية وإلى قمع الفلسطينيين بوصفه «معاداة للسامية». وقد أدّت حملة تضامن معه إلى إلغاء القرار. أجرينا حديثًا على خلفية الأزمة المتواصلة المتمثّلة في حرب الإبادة والحملة العسكرية الإقليميّة. ورغم وجود بعض الاختلافات في المقاربات بين «متسْپِين» التاريخية وحركة النضال الاشتراكي، ولا حاجة إلى الخوض فيها هنا، فقد تعلّمنا على مرّ السنين أيضًا من التجربة المتراكمة التي خلّفتها «متسْپِين». وتُبرز المقاطع الواردة من الحوار مع ماحوفر عددًا من الاستنتاجات المشتركة، والنادرة اليوم في أوساط اليسار، بشأن حلّ جذري — اشتراكي — للصراع القومي–الكولونيالي. تَرِد أقوال ماحوفر كما هي بين علامتي اقتباس، أمّا العبارات التي جرى إبرازها فهي من عندنا. صحيح أنّ ماحوفر يقيم في بريطانيا منذ نحو ستة عقود، وأنّ «متسْپِين» تفكّكت عام 1983. غير أنّ التجربة التي تطوّرت داخل هذا التنظيم ظلّت على مرّ السنين نقطة مرجعية في اليسار المحلي والدولي، بما في ذلك مساهمة التروتسكي الفلسطيني جبرا نقولا (1912–1974). «يمكن القول إنّه كان الشخص الأكثر تأثيرًا في مواقف متسْپِين من المسألة الإسرائيلية–الفلسطينية»، يؤكّد ماحوفر، الذي يواصل الدفاع عن خلاصات مركزية تبلورت في متسْپِين بقيادة نقولا بشأن الصراع الصهيوني–العربي. أُجري حديثنا في 15 شباط/فبراير، قبيل الهجوم الإمبريالي على إيران. وفيما كانت حكومة الاحتلال الرأسمالية اليمينية المتطرفة برئاسة نتنياهو تُسخّن المحرّكات تمهيدًا للهجوم، وتُصعّد خطوات العدوان العسكري والاحتلال في لبنان وسوريا، واصلت الدفع قدمًا بخطوات تطهير عرقي متسارعة في الضفة الغربية والقدس الشرقية — وهي خطوات ما زالت مستمرة بوتيرة أشد — إلى جانب الاستعداد لاحتمال تجدّد التصعيد عالي الوتيرة في حرب الإبادة على قطاع غزة. ويترافق ذلك مع سياسة لقمع ودفع السكان العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر إلى الهامش. وتشترك جميع أحزاب المؤسسة الإسرائيلية في المنطق الكامن في أساس الحملة العسكرية، ويجري الترويج له تحت غطاء ديماغوجيا أمنية، فيما يقوّض أيضًا الأمن الشخصي لملايين الإسرائيليين. ومن أجل تمويل آلة الحرب، وخدمةً لمصالح رأس المال الإسرائيلي، تتعرّض شروط معيشة الطبقة العاملة في إسرائيل، رجالًا ونساءً، لهجوم اقتصادي كذلك. إنّ نزعات النهب القومي، والتوسّع الإقليمي، والتعاظم العسكري، متأصّلة في الأيديولوجيا الصهيونية. وينعكس ذلك في المؤسسات والتشريعات والسياسات التي تعبّر عن الشكل التاريخي الخاص للحكم الرأسمالي الإسرائيلي، الذي أسّسته الحركة الصهيونية عام 1948 برعاية قوى عالمية، مستغلّةً بوقاحة فظائع المحرقة والاضطهادات المعادية للسامية، بدايةً أحيانًا تحت ستار خطاب «اشتراكي»، وعبر اقتلاع جماعي وتدمير مئات القرى والبلدات الفلسطينية في النكبة. ومنذ ذلك الحين، واصل الرأسمال الإسرائيلي، بصورة حتمية، تطبيق منطق منظومي يسعى في جوهره إلى «التهويد» ودفع السكان الفلسطينيين إلى الهامش. وكان هذا المنطق مركزيًا في الحصار الوحشي المفروض على قطاع غزة على مرّ السنين، وفي أزمة الدم التي تهزّ المنطقة وتُطلق موجات ارتدادية عالمية خلال السنتين والنصف الأخيرتين.
الهدف: «الترانسفير»بالنسبة إلى حكومة إسرائيل، يقول ماحوفر، «كان الهجوم المسلّح الذي شنّته حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر فرصة، وقد استغلّت هذه الفرصة حتى النهاية» — هجومًا وحشيًا على الشعب الفلسطيني، ترافق مع قتل غير مسبوق، بالتوازي مع ضربات الاستعراض العسكرية في أنحاء المنطقة برعاية واشنطن. ويصف ماحوفر ذلك قائلًا: «حتى لو لم نكن نرى هذا الأمر قيد التنفيذ، وحتى لو لم نكن قد قرأنا كل النقاشات منذ بداية المشروع الصهيوني، قبل أكثر من 120 عامًا، التي تتحدّث عن ضرورة التخلّص من السكان المحليين، فإنّ ذلك متأصّل في طابعها [أي الصهيونية]. الهدف هو الترانسفير». أمّا المجزرة الجماعية غير المسبوقة، الإبادة الجماعية في غزة، «فهي وسيلة، لا الهدف. بمعنى أن الصهيونية لا تنوي بالضرورة ارتكاب إبادة جماعية. لقد ارتكبت إبادة جماعية لأن ذلك كان الأداة للتخلص من السكان. لكنها كانت تفضل التخلص منهم بطرق أخرى. لو كان بالإمكان إرسالهم بالطائرات إلى كندا، لكانت [الحكومة] قد فعلت ذلك، بل حاولت أن تفعل ذلك. بطرق شتى حاولوا التأثير على الناس في غزة وفي أجزاء أخرى من الأراضي الفلسطينية كي يهاجروا». تتخذ التطلعات القومية الصهيونية إلى «تهويد» البلاد — أي التطهير العرقي — أشكالا مختلفة. وقد ذكر ماحوفر كيف ازدادت في عام 2002 التقديرات بأن حكم شارون سيحاول استغلال «فرصة مواتية» جيوسياسية لطرد جماعي للفلسطينيين إلى الأردن (وهو يحيل إلى مقال طرح في حينه تقديرًا كهذا من جانب مؤرخ عسكري إسرائيلي). صحيح أن شارون اضطر إلى الاكتفاء بجدار الفصل و«خطة فك الارتباط» من أجل تحصين الاحتلال ومشروع الاستيطان الكولونيالي في الضفة — أي تطهير عرقي زاحف. لكن، كما يقول ماحوفر، «هذا الخطر، خطر التطهير العرقي من الضفة باتجاه الأردن، ما زال قائما». وقد استغل 7 تشرين الأول/أكتوبر، كما ذكرنا، باعتباره «فرصة مواتية» للدفع بتطهير عرقي مكثف. في غزة، تجاوز العدد الرسمي والمحافظ للضحايا عتبة 72 ألفًا في نيسان، وما زالت المجزرة مستمرة في ظل «وقف إطلاق النار». ووفق تقدير من عام 2025، فر نحو 100 إلى 150 ألف فلسطيني من غزة إلى مصر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحت العدوان القاتل للاحتلال، وفي شباط/فبراير من هذا العام سجل 80 ألفا منهم في قائمة انتظار للعودة، بينما يخضع الدخول إلى القطاع لقيود شديدة. ومع ذلك، مقارنةً بعام 1967 وبالتأكيد بعام 1948، ورغم حجم القتل غير المسبوق، تبيّن أنّ هامش قدرة السلطة الإسرائيلية على تنفيذ تهجير جماعي إلى دول الجوار محدود أكثر. ويرى ماحوفر الأمر بالطريقة نفسها: «هذا يصطدم بصعوبات. أي أنه من أجل التخلص من السكان، لا عبر إبادة جماعية، ومن دون قتلهم أو إبادتهم، يجب ترحيلهم. ولكي يتم ترحيلهم، لا بد من إيجاد مكان يرحلون إليه. لكن إلى أين؟… انظر، الدول المجاورة ليست غافلة. والحكام هناك يدركون ما يجري. إنهم يرون إلى أين يقود هذا المسار، ويحاولون منعه». ويضيف: «الفلسطينيون أنفسهم أيضا لديهم تجربة مع الاقتلاع المتكرر، وهم أيضا تعلموا… هناك تجربة تاريخية لدى ضحايا التهجير، وكذلك لدى البلدان التي يراد تحويلها إلى وجهة للتهجير. وهذه الأطراف غير معنية بالسماح بذلك». تعاونت الملكية الأردنية مع النظام الإسرائيلي عام 1948 بهدف إحباط إقامة دولة فلسطينية. لكن بعد أن استوعبت موجات من اللاجئين خلقت أغلبية فلسطينية داخل أراضيها — وكانت أيضا أساس انتفاضة 1970 — وبعد أن اضطرت إلى التراجع عن مطالبها في الضفة في أعقاب الانتفاضة الأولى، باتت تخشى تبعات طرد جماعي جديد للفلسطينيين إلى أراضيها عموما. وبالمثل، يخشى نظام السيسي من التضامن الجماهيري الواسع في مصر والمنطقة مع الفلسطينيين. وقد دفع هذا الخوف الحكام العرب إلى صد مطلب ترامب الأصلي بأن يصطفوا مع تطلعات الترانسفير لدى الاحتلال الإسرائيلي. عملية استيطان ونزع ملكية فريدة من نوعهاالتحليل الذي تبلور في «متسْپِين» بقيادة نقولا بشأن سيرورة الاستيطان والنزع يختلف عن توصيفات شائعة اليوم في الأوساط الأكاديمية واليسار الدولي، غالبا ما تعاني من منهجية مثالية ومن تبسيط مفرط، حيث تستخدم المقارنات مع أشكال تاريخية من أنظمة القمع أساسا لأغراض إدانة الرجعية. «الخطاب الأكاديمي حول الاستعمار يتحدّث عن استعمار استيطاني، لكنه لا يميّز كما يميّز الماركسيون بين النموذج الأسترالي والنموذج الجنوب أفريقي»، يشرح ماحوفر، «لأنّ الماركسيين يركّزون نظرتهم على الاقتصاد السياسي: من هم المنتجون الأساسيون». كانت نقطة الانطلاق للتحليل هي التمييز الذي تطور في الحركة الماركسية بين نماذج مختلفة من الكولونيالية (انظروا مثلا: «الاشتراكية والسياسة الكولونيالية»، كاوتسكي، 1907، حين كان كاوتسكي ما يزال ماركسيا). غير أن مشروع الاستيطان الصهيوني لم ينتم إلى نموذج «الكولونيالية الاستغلالية» الذي ميز البلدان التي تطورت فيها الثورات في العالم الكولونيالي خلال فترة تشكل «متسْپِين». «المشروع الصهيوني هو مشروع متأخّر تاريخيًا بمعنى أنّه يشبه أشكالًا أخرى، حالات أخرى من الاستعمار التي كانت قد أُغلقت وطُويت في نهاية القرن التاسع عشر»، يصف ماحوفر، ولذلك كان التحدي هو بلورة موقف أدق من «حالة تكاد تكون فريدة من نوعها في عصرنا». إضافة إلى ذلك، لم تكن للاستيطان الصهيوني «دولة أم» (متروبول) — فقد بحثت الحركة الصهيونية عن رعاية من قوى عالمية. ونشدد نحن أيضا على أن عنصر الاضطهاد المعادي للسامية كان فريدًا وجوهريًّا في دينامية العملية التاريخية، بما في ذلك نجاح الصهيونية في تجنيد دعم جماهيري واسع في أعقاب الثورة المضادة للفاشيّة في أوروبا والمحرقة، وفي تشكيل الوعي الجماهيري لدى اليهود الإسرائيليين. يوضح ماحوفر أهمية التمييز بين نماذج مختلفة من عمليات استعمار استيطاني ونزع ملكية السكان. «في جنوب أفريقيا كان لدى ضحايا الكولونيالية نفوذ، فقد كانوا ضروريين للاقتصاد السياسي للمستعمِرين. أما في أستراليا فكانوا "سكانا زائدين"… منذ بدايتها، كان للصهيونية أفق أقرب إلى ما كان في أستراليا منه إلى جنوب أفريقيا»، يشرح. إذا فحصنا حالتي أستراليا وأميركا الشمالية (حيث قام النظام الاقتصادي أصلا في منطقة جنوب الولايات المتحدة اليوم والكاريبي على العبودية التي استعبدت أساسا مجموعة سكانية "خارجية")، فنحن أمام نموذج «لا يقوم على الاعتماد على قوة عمل السكان المحليين، بل على استبعادهم الكامل من السكان المحليين — لم يكن للسكان الأصليين أي نفوذ في مواجهة المستعمِرين. في كل الحالات التاريخية التي جرت فيها كولونيالية من هذا النموذج، انتصر المستعمِرون في النهاية. وهذا يوضح صعوبة الوضع الذي نواجهه في الحالة الإسرائيلية–الفلسطينية». أقامت سيرورة الاستيطان الصهيوني مجتمعا استغلاليا رأسماليا يخضع فيه قسم من قوة العمل الفلسطينية لاستغلال شديد، بينما يسعى المنطق الأساسي للسيرورة إلى تجريد السّكان الفلسطينيين، بما في ذلك محاولات متكررة لاستبدال العمال الفلسطينيين بمهاجرين. «خلقت الصهيونية وضعا تتمتع فيه بتفوق جوهري في ميزان القوى على المجردين من أرضهم، الذين لا يملكون النفوذ الذي امتلكه، مثلا، السكان المحليون في جنوب أفريقيا. أي أنه نشأ هنا وضع لا يملك فيه المجردون من أرضهم وحدهم ما يكفي من القوة لإسقاط النظام الصهيوني». يمكن للجماهير الفلسطينية أن تحقق مكاسبًا مهمة في نضالها من أجل التحرر الوطني والاجتماعي، بما في ذلك من خلال الدفاع الذاتي المسلح. ومع ذلك، يوضح ماحوفر أنه من الناحية الاستراتيجية، وبالنظر إلى موازين القوى، لا يمكن أن يكون الميدان العسكري هو الساحة الأساسية للنضال: «حكومة إسرائيل معنية بنضال فلسطيني مسلح، لأن لديها جوابا، لديها جيشها، وهو أقوى بكثير». وفي مواجهة هذا التحدي، «أثبتت الانتفاضة الأولى أن هناك طرقا أخرى… هذا ليس حكما أخلاقيا بهذا الاتجاه أو ذاك، بل حكم استراتيجي». فقد زعزع مسار النضال الجماهيري، بما رافقه من إضرابات وتنظيم لجان عمل ديمقراطية، نظام الاحتلال بعمق، رغم موازين القوى العسكرية. تضامن دوليالقضية الفلسطينية، التي تستنهض التضامن الدولي منذ عقود، تحولت أكثر فأكثر إلى راية مركزية لتطلعات التحرر على المستوى العالمي، كرد فعل على حرب الإبادة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبحسب ماحوفر، «أولا، في الجانب الإيجابي من الحصيلة، هذا تغيير لا يمكن المبالغة في أهميته… للمرة الأولى في حياتي، وهي ربما امتدت وقتا أطول قليلا من حياتك، أصبحت قضية تحرير الشعب الفلسطيني مؤشرا إلى التقدمية، أي إلى الحد الفاصل بين موقف تقدمي وموقف رجعي. وهذا يشبه ما كان في حينه حول حرب فيتنام، ثم حول الأبارتهايد في جنوب أفريقيا». ويضيف: «هذا تغيير بالغ الأهمية، لأن الدعم الهائل الذي تتلقاه إسرائيل من القوى الإمبريالية، وخصوصا من الولايات المتحدة وتوابعها، له أهمية جوهرية. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، أعتقد أن من الخطأ المبالغة في إمكانات هذا التغيير… هناك نزعة، وهي في رأيي خاطئة، لدى كثير من التقدميين، إلى أن ينسبوا مثلا سقوط نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا إلى الضغط الخارجي. من دون النفوذ الداخلي للطبقة العاملة الأصلانية السوداء في جنوب أفريقيا، ومن دون نضالها، لما كان الأبارتهايد قد سقط. كان عامل الضغط الدولي، الذي نتج بدوره عن الرأي العام العالمي، عاملا مهما، لكنه لم يكن العامل الذي أسقط النظام». رأينا كيف نجح تطور الرأي العام العالمي وحركة التضامن الدولية مع غزة، بما في ذلك حالات من الإضرابات العمالية الكفاحية، في ممارسة ضغط على الحكومات. وكان ذلك عاملا فعليًا في الدينامية التي قادت إلى وقف إطلاق النار الجزئي. يمكن للتضامن الدولي أن يؤدي دورًا مساعدًا، سواء في بناء الضغوط الدولية أو في تطور الصراع الطبقي في البلدان التي تنظم فيها التحركات. في الموجة الثورية عام 2011، يقول ماحوفر، إذا «نظرنا إلى العامل الأهم، والأوسع، في 2011، وهو الطبقة العاملة المصرية، فهذه قوة هائلة… ولدينا رفاق على صلة بهم كانوا منخرطين في مصر في 2011، وسيقولون لك إن جزءا كبيرا من راديكالية الطبقة العاملة المصرية كان مرتبطًا بالقضية الفلسطينيّة». ونضيف أنّ خوف قمة النظام الإسرائيلي من تضامن الجماهير في مصر والمنطقة مع الفلسطينيين شكّل في ذروة حركات الجماهير آنذاك عامل ردع نسبيًا ضد أحداث مجازر واسعة بحق الفلسطينيين. وكجزء من الدينامية التي تطوّرت، شهدت حدود إسرائيل مظاهرات في يوم النكبة أعادت إلى جدول الأعمال قضية اللاجئين الفلسطينيين. ويذكر ماحوفر أيضًا أثر الموجة الثورية عام 2011 في المجتمع الإسرائيلي في مرحلتها الأولى. ففي مقابل الاشمئزاز داخل الطبقة الحاكمة الإسرائيلية، استلهمت منها تحديدا قطاعات من الطبقة العاملة والطبقات الوسطى بين السكان اليهود. «كان هناك شعور بالتضامن، ليس كثيرا مع الشعب الفلسطيني، بل مع الجماهير المصرية والسورية… وكان أحد الشعارات الشعبية: مبارك — الأسد — بيبي نتنياهو. إذا فكرت في الأمر، فهذا شيء مذهل». وكانت هناك شعارات ملهمة أخرى أيضا، في نضالات العاملات الاجتماعيات وعمال السكك الحديدية. يحذر ماحوفر من التفاؤل المفرط، لكن «هذا يظهر أن هناك خيطا ما، هناك مسارا ما، هناك إمكانا ما»، وخصوصا لصدى إيجابي بين قطاعات من الجماهير الإسرائيلية تجاه تطورات ثورية في المنطقة. مصلحة ودور محوري للطبقة العاملة في إسرائيللا يتطور أي مجتمع في فراغ، وللتحولات العالمية والإقليمية دور مهم دائما. لكن حين يدور الحديث عن قوة ذاتية تعمل كعامل تغيير، فإن الرأسمالية الإسرائيلية — القائمة على الاستغلال الطبقي والقمع وسيرورة التجريد القومي من الأرض والحقوق — «لا يمكن إسقاطها من الخارج»، أي على يد قوى خارجية عن المجتمع الإسرائيلي، كما يؤكد ماحوفر. ومن أجل إسقاط النظام الصهيوني الرأسمالي واستبداله، يوضح: «هناك حاجة إلى قوة داخلية. ما الذي يمكن أن يكون هذه القوة الداخلية؟ هذه القوة الداخلية لا يمكن أن تكون إلا الطبقة العاملة، الجماهير الإسرائيلية، وبالأساس الطبقة العاملة العبرية». وذلك بسبب التناقض الأكثر جوهرية في المجتمع الإسرائيلي، أي التناقض الطبقي، وبسبب الدور المحوري للطبقة العاملة في العملية الاقتصادية والقوة المحتملة التي تنبع من ذلك. «هل الطبقة العاملة العبرية قادرة ومهتمة بأن تكون شريكة في إسقاط النظام الصهيوني؟ إنها طبقة مُستَغَلة. لها مصلحة في نفي هذا الوضع، في إزالة نير الاستغلال عنها». لكن إذا وضعت أمامه، على أساس رأسمالي، إمكانية افتراضية لإلغاء الوضع الذي يكون فيه فقط «مجموعة مفضلة» نسبيا — تحت الاستغلال وأشكال من الضائقة الجماهيرية، ولكن مع امتيازات نسبية مقارنة بأجزاء أخرى من الطبقة العاملة — فإن ماحوفر يقدر أن الرد المنطقي سيكون: «سأبقى مُستَغَلا»، لكن في وضع أسوأ. «هذه ليست صفقة». إن فكرة رأسمالية «أكثر ديمقراطية»، غير صهيونية، تحل محل الرأسمالية الإسرائيلية، كما تقترحها اليوم أصوات كثيرة في اليسار الدولي بصيغ مختلفة، هي فكرة طوباوية. ونشدد نحن أيضا على أنها، في الدينامية الفعلية، لن تستطيع أن تقدم أفقا لتجاوز اللامساواة الحادة بين المجموعات القومية، ولا لتجاوز الصراعات القومية عموما في الحيز الإقليمي. مثل هذه الفكرة لن تستطيع بحد ذاتها أن تقدم جوابا فعليا على المخاوف الوجودية والأمنية لدى الجماهير الإسرائيلية. فهذه المخاوف تشكل أرضية خصبة لتأجيج الشوفينية القومية، ولدعم الوعود الصهيونية الكاذبة — عبر التمييز، والتجريد القومي من الأرض والحقوق، والعسكرة، والتحالفات مع قوى إمبريالية عالمية وأنظمة قمع في المنطقة — بأنها ستكون جدار حماية للجماهير اليهودية. القومية الصهيونية تفرض حربا أبدية، يدفعون هم أيضا أثمانها. إن بديلا عن الصهيونية يمكن أن ينظر إليه كبديل ذي صلة وأفضل بوضوح بالنسبة إلى جزء مهم من الطبقة العاملة بين السكان اليهود الإسرائيليين، يبقى مسدودًا في ظل إدامة العلاقات الرأسمالية والإمبريالية في المنطقة. وحده بديل في سياق النضال من أجل تغيير اشتراكي يمكن أن يقدم أفقًا للاندماج الكامل في المنطقة، في ظروف تضمن الأمن الشخصي، والتحرر من الاستغلال والضائقة الاقتصادية، وشراكة إقليمية ديمقراطية تقوم على المساواة بين جميع الشعوب. وتحت تأثير الهزات والتحولات العالمية والإقليمية، هناك إمكانية لتطور يقود فيه العمال والعاملات في المنطقة نضالا من أجل «ربيع اشتراكي». وبينما تتجاوز الطبقة العاملة في إسرائيل الرسمية الانقسامات القومية، فإن قسمها الحاسم موجود بين السكان اليهود. وكما يقول ماحوفر: «الحل لا يمكن أن يكون إلا حلًا إقليميًا، وقائمًا على دعوة الطبقة العاملة الإسرائيلية في ظروف معيّنة لتكون شريكة. وهذا غير ممكن إذا كنتَ تنفي هويتها القومية». سياق النضال من أجل الاشتراكيةفي السياق الحالي، من الواضح أنّ الشعب الذي تُنتزع منه بالقوّة حقّه في تقرير المصير وحقوقه الإنسانية الأساسية هو الشعب الفلسطيني. للوهلة الأولى، تبدو مسألة تقرير المصير للشعب اليهودي–الإسرائيلي وكأنها محسومة. فهي محصّنة بالقوّة العسكرية الأقوى في المنطقة، وبرعاية الدولة الأقوى في العالم. غير أنّه في سياق منظور لحل جذري للصراع القومي–الكولونيالي، تعود مسألة حق تقرير المصير المستقبلي لتُطرح من جديد. فالمؤسسة الإسرائيلية، الصهيونية، تغذّيها بمعانٍ كارثية، إذ تحذّر باستمرار من تهديدات «تدمير دولة إسرائيل». لم تدافع الصهيونية يوما عن حق اليهود الإسرائيليين في تقرير المصير كشركاء متساوين في المنطقة. فهي تطالب، باسم يهود العالم أجمع، بحق في كل فلسطين/'أرض إسرائيل' التاريخية الواقعة غرب نهر الأردن وما بعده — رغم أن دولة إسرائيل الصهيونية، على نحو ساخر، انتقائية في اعترافها باليهود وتميز ضد يهود على خلفية إثنية ودينية — وذلك مع إنكار حقوق الشعب الفلسطيني في حياة حرة وكريمة ومتساوية في وطنه. إن اقتلاع الفلسطينيين وقمعهم ليس تعبيرا عن تقرير المصير. في ثلاثينيات القرن الماضي، في مواجهة الثورة المضادة الفاشية، بدأت الحركة التروتسكية الدولية آنذاك في طرح فكرة إمكان وجود جواب لمسألة تقرير المصير القومي الإقليمي لليهود في سياق اشتراكي، طوعي، كبديل للصهيونية، من دون نزع ملكية الشعوب وقمعها (انظر مثلًا: «حول المسألة اليهودية»، تروتسكي، 1934). لكن المسألة كانت آنذاك أكثر تجريدًا. وفي الظروف المعقّدة التي نشأت عقب قيام دولة إسرائيل عبر نكبة 1948، ومع تبلور أمّة عبرية أصبحت قاعدة لدولة رأسمالية صهيونية برعاية القوى الإمبريالية الأقوى في العالم، أصبحت هذه مسألة مفتاحية في منظور التغيير الاشتراكي في الفضاء الإقليمي. وكما استنتج نقولا و«متسْپِين» في ستينيات القرن الماضي، ففي سياق نضال من أجل تغيير اشتراكي تبرز ضرورة الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب اليهودي–الإسرائيلي، الذي يشكّل أقلية قومية في المنطقة (انظر مثلًا: «الكفاح الفلسطيني والثورة في الشرق الأوسط»، نقولا وماحوفر، 1969). ويشدّد ماحوفر: «هل يمكن أن يكون من المقبول أن يدعم الاشتراكيون ضمًّا قسريًا للشعب العبري إلى اتحاد إقليمي؟ إذا طرحت السؤال بهذه الطريقة، أعتقد أنّ الجواب يظهر من تلقاء نفسه». ومن دون طرح بديل كهذا، سيكون من الأسهل للطبقة الحاكمة الإسرائيلية أن تقدّم ديماغوجيًا «ربيعًا اشتراكيًا» في المنطقة ليس كمسار للتحرّر الاجتماعي والسلام الإقليمي، بل كتهديد وجودي لملايين اليهود. مثل هذا «التهديد الوجودي» سيؤدي إلى تعبئة جماهيرية مسلّحة للدفاع عن الرأسمالية الإسرائيلية. إنّ البرنامج الاشتراكي يختلف جوهريًا عن مختلف المبادرات لإقامة «تسوية عادلة» بين الرأسمالية الإسرائيلية والفلسطينيين. فعلى أساس الرأسمالية والإمبريالية والأيديولوجيا الصهيونية، لا يمكن لأي تسوية سياسية–قانونية بحد ذاتها أن تضع حدًا للدينامية الدموية بين مجموعة قومية مهيمنة وأخرى مجرّدة من ملكيتها ومقهورة. وحده في سياق نضال من أجل شرق أوسط اشتراكي يمكن شق الطريق لإنهاء الصراع التاريخي. ترفض حركة «نضال اشتراكي» المعايير المزدوجة الساخرة في المطلب القومي الصهيوني بالاعتراف بحق اليهود في «العودة بعد ألفي عام من المنفى»، في حين يُرفَض حق مبدئي للاجئين الفلسطينيين وذريّاتهم — الذين هُجّروا من وطنهم بالقوّة قبل نحو ثمانية عقود ومنذ ذلك الحين — في الاعتراف والتعويض وإمكانات العودة. «بسبب أنّ إسرائيل استولت على أراضيهم إذًا لا يحقّ لهم حق العودة؟» يتساءل ماحوفر. وكأنّ المؤسسة الإسرائيلية تقول: «كلما نزعت أكثر، ازدادت أحقيتها في المناطق التي نجحت في احتلالها». وتُطبَّق سياسة التنكيل باللاجئين عبر ديماغوجيا تعزف على مخاوف وجودية عميقة لدى اليهود، وتُظهر الظروف أنّ حلّ هذه المسألة يتطلّب بحد ذاته تغييرًا اشتراكيًا، لضمان بنى تحتية وشروط معيشة لائقة للجميع، ومساواة في الحقوق القومية والاجتماعية، وصياغة تفاهمات وترتيبات ديمقراطية أيضًا لمعالجة المخاوف. وماحوفر، الذي يقترب من سنّ التسعين، يصرّ على أنّ الأمر لا يتعلّق برؤية حالمة تتجاهل العقبات الهائلة في النضال اليوم. «انظر، لن أنكر أنّ أجواء أيامنا أقل تفاؤلًا بكثير ممّا كانت عليه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي… لكن لا يجوز فقدان الأمل، فالإمكانية في جوهرها موجودة… الرأسمالية، كما [ظهر في حديثنا]، لم تحلّ تناقضاتها، وأزمتها اليوم أشدّ ممّا كانت عليه قبل ستين عامًا. الاختلاف غير الإيجابي هو وضع حركة العمال. في تلك الفترة كانت لا تزال هناك أحزاب يسارية جماهيرية. صحيح أنّ معظمها كان مصابًا بالستالينية، لكن كان فيها عنصر محرّض ومنظّم للنضال». ومع ذلك، فقد أظهرت الموجة الثورية لعام 2011، يختتم ماحوفر، «إمكانية ما، على الأقل نظرية، يمكن أن تتحقّق. هذا كل ما يمكنني قوله. يمكنني القول إنّ حلًا غير شرير للصراع الاستعماري، لا يتجلّى في انتصار نهائي للطرف الذي ينزع الملكية، بل يتضمّن إمكانية للتحرّر، هناك مثل هذا الإمكان… هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يتحقّق بها حلّ تحرّري للصراع الاستعماري بين إسرائيل وفلسطين». ويحذّر: «هذا ليس أمرًا مضمونًا، موضوعًا في صندوق… احتمالات تحقّقه تعتمد بدرجة كبيرة أيضًا على الفعل الذاتي للقوى الاشتراكية في المنطقة». * ترجمة: منى أ. |
جبرا نقولا (على اليمين) وموشه ماحوفر، 1968 (المصدر: متسْپِين) المقالات الأخيرة في الموقع |